الاتفاق المصري اليوناني: ضوء أخضر أميركي لمحاصرة تركيا

القاهرة
العربي الجديد
08 اغسطس 2020

لا يعتبر توقيع اتفاق تعيين الحدود البحرية بين مصر واليونان مجرد حلقة جديدة في مسلسل التصعيد بين القاهرة وأنقرة، بل يمثل خطوة يصادر بها نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقبل العلاقات بين البلدين والشعبين لسنوات وربما عقود مقبلة، بإقدامه على إهداء الخصم التاريخي والإقليمي الأول للأتراك مفتاحاً لتعقيد قضية الحدود اليونانية التركية التي لا أفق لحلها في المستقبل القريب، باستمرار النزاع بين البلدين على ملكية بعض الجزر، فضلاً عن ترسيم المناطق البحرية الخاصة بكل منهما. هذه الخطوة لم تكن مصر في السنوات السابقة لصعود السيسي للسلطة مستعدة لها بسبب رغبتها في البقاء على الحياد بين تركيا واليونان من جهة، وبسبب تعقيدات الترسيم الفنية وارتباطها بمشكلة قبرص من جهة أخرى، وما يترتب على ذلك من تداخل وتضارب للمصالح الإسرائيلية مع الثلاثي قبرص واليونان وتركيا. فالادعاء بالتزام مصر واليونان وقبرص بقواعد القانون الدولي في ترسيم الحدود البحرية بينها، وكذلك ادعاء قبرص، والاحتلال الإسرائيلي، مراعاة القواعد ذاتها لدى ترسيم منطقتيهما الاقتصاديتين، يخلق أمام المنطقة والمجتمع الدولي وضعية شاذة مخالفة لأشهر حالات النزاع الحدودي البحري بين الدول حول العالم. فتركيا التي تعتبر الدولة صاحبة السواحل الأطول في الإقليم بالكامل، سوف يكون لها بعد تلك الاتفاقيات المساحة البحرية الأصغر والمنطقة الاقتصادية الأقل مساحة إذا ما قورنت باليونان وقبرص ومصر، الأمر الذي سيكون قبول أنقرة به مستحيلاً، ويمثل سبباً معقولاً من وجهة نظرها للإصرار على التدخل في ليبيا، والدعم اللامحدود لحكومة الوفاق الليبية بهدف تثبيت اتفاقية ترسيم الحدود بينهما، والتي تقطع الطريق بوضوح على الاتفاقية الموقعة بين مصر واليونان. فكل اتفاقية تفرغ الأخرى عملياً من مضمونها، مما يصعب معه اعتماد أيهما لدى الأمم المتحدة وفق القواعد القانونية الحاكمة لذلك.

يؤيد الاحتلال الإسرائيلي خطوات مصر بغية ترسيم الحدود معها
 

وعلى الرغم من إيداع الاتفاقيات الموقعة سابقاً لترسيم الحدود البحرية في هذا الإقليم لدى الأمم المتحدة، وبدء عمل بعض الشركات الكبرى في إنتاج الغاز الطبيعي في المناطق المصرية والقبرصية والمناطق المحتلة إسرائيلياً، فإن كل الاتفاقيات تبدو هشة اقتصادياً وفاقدة لعوامل الاستقرار الجاذبة للاستمرار، أمام أي نزاع حربي أو سياسي، وذلك كله بسبب أسبقية قبرص والحكومة الإسرائيلية في ترسيم حدودهما بمباركة أوروبية وأميركية، ثم لحاق مصر بهما. الأمر الذي يجعل المصالح الاقتصادية المترتبة على الاتفاقية مرهونة بنزاع أكبر بكثير بين الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا وتركيا على مكامن الغاز الطبيعي في المنطقة، فجميع الدول المنخرطة في اتفاقيات الترسيم، والتي شكلت فيما بينها منتدى غاز شرق المتوسط العام الماضي، ليست قادرة على مزاحمة روسيا وتركيا في سوق تصدير الغاز لأوروبا، إلا بدعم أميركي بالدرجة الأولى.

ومنذ مطلع عام 2018 حاولت تركيا اتخاذ خطوات قانونية دولية لإبطال الاتفاقية، بدعوى انتهاكها للجرف القاري والمياه الإقليمية التركية عند خطي طول محددين، لمناسبة بدء قبرص أنشطة للتنقيب عن الغاز الطبيعي في المنطقة الاقتصادية الخاصة بها وفق الاتفاقية، والتي تعتبرها تركيا جزءاً من المياه الإقليمية المتنازع عليها، والمناطق المتداخلة بينها وبين اليونان، بالتوازي مع الخطوة السياسية الأهم والمتمثلة في ترسيم الحدود مع ليبيا. وقال مصدر دبلوماسي مصري لـ"العربي الجديد" إن "تركيا فشلت في منع الجهود المصرية ـ اليونانية المشتركة، وإن كانت قد أسهمت في تأجيل إبرام الاتفاقية وتحديد المناطق الاقتصادية، والتي كان من المتوقع إبرامها العام الماضي، بسبب انتهاء بعض المشاكل الفنية التي واجهت اللجان المشتركة بين البلدين لتحديد نقاط التماس الرئيسية، لكن الاتفاق مع ليبيا أربك المشهد بضعة أشهر، كما انتظرت البلدان للحصول على ضوء أخضر من الولايات المتحدة لإتمام الخطوة. الأمر الذي تحقق أخيراً من خلال اتصالات بذل فيها الجانب اليوناني القسم الأكبر من الضغوط والحشد في دوائر الخارجية الأميركية، من خلال مجموعات تشريعية وأكاديمية من أصول يونانية". وأضاف المصدر أن الطريق بات ممهّداً الآن لاتخاذ خطوة عدائية أكبر، بالعمل على تعيين الحدود البحرية بين مصر وليبيا واليونان سوياً، مؤكداً أن القاهرة طرحت بالفعل على أثينا ونيقوسيا منذ أشهر خلال اجتماعات استخباراتية رفيعة المستوى مقترح استخدام برلمان شرق ليبيا الموالي لمصر والإمارات كطرف رسمي لإبرام اتفاقية ثلاثية، بل وضم البرلمان إلى منتدى شرق المتوسط صورياً، لكن المقترح تعطل بسبب التخوف من التصعيد العسكري.

وإلى جانب الصراع السياسي مع تركيا، فإن السيسي بات حريصاً أكثر من أي وقت مضى على إنهاء مشاكل مصر الحدودية البحرية لاجتذاب مزيد من الاستثمارات في قطاعي الغاز الطبيعي والبترول، باعتباره القطاع الوحيد الذي تملك مصر سبل تحقيق نجاح اقتصادي كبير فيه من دون انتظار عشرات السنوات. وهو ما جعلها تتخلى عن حذرها الذي كان قائماً في عهد الرئيس المخلوع، حسني مبارك، قبل ثورة 2011، والذي كان يرى تأجيل حسم ملف الحدود وتقاسم الثروات في البحر المتوسط إلى حين تسوية النزاعات التركية اليونانية من جانب، ولعدم التورط بالاعتراف بحدود المياه الإقليمية المزعومة لإسرائيل من جانب آخر. وكان المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي كان السيسي عضواً فيه في أعقاب الثورة، يرى إبقاء الوضع على ما هو عليه إلى حين وجود سلطة منتخبة، على الرغم من ممارسة دول الجوار بعض الضغوط عليه لغلق ملفات الحدود البحرية، ولذلك كانت هذه المسألة على رأس أولويات السيسي، سواء بالنسبة إلى البحر الأحمر أو البحر المتوسط. فالحسابات المعقدة لمبارك إزاء تركيا أو الاحتلال الإسرائيلي، ليست في حسبانه، فهو يتعامل مع الأولى كخصم إقليمي بعد 2013، وليست لديه مشاكل في التعاون مع الثانية على مختلف الأصعدة، سياسياً واستراتيجياً وأمنياً. وتأتي الحكومة الإسرائيلية على رأس المرحبين والداعمين لترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص واليونان، ليس فقط لأنها تكرس سيطرتها الفعلية على بعض حقول الغاز والعلامات في عمق المتوسط، ولكن أيضاً لأن إغلاق هذا الملف يقرب أكثر من أي وقت مضى خطوة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والاحتلال الإسرائيلي، أو على الأقل الاتفاق على حدود المناطق الاقتصادية.

تحاول تركيا التصدي لطموحات دول منتدى الغاز التوسعية
 

وعلى الصعيد القانوني، يتمسك السيسي بإبرام مثل هذه الاتفاقيات، حتى لا يتكرر ما حدث عام 2011، عندما انسحبت شركة "شل" الهولندية من حقل "نيميد" المصري، الذي منحتها حكومة كمال الجنزوري حق امتيازه، بزعم تداخله التام مع حقل غاز "أفروديت" القبرصي، وبالتالي فإن الرؤية المصرية مستقرة على ضرورة "ترسيم الحدود" كحافز للاستثمارات. وكان مصدر قضائي مصري، شارك في أعمال لجان ترسيم الحدود البحرية في عهد المجلس العسكري، قد قال في تصريحات سابقة لـ"العربي الجديد" إن الاتفاقية الموقّعة بين مصر وقبرص عام 2013، ورغم ما تتضمنه من غبن لحق مصر في نقاط عدة بسبب أسبقية قبرص والاحتلال الإسرائيلي في التقسيم لنحو عقد كامل، هي في حقيقتها "قاعدة نهائية" لتقاسم مكامن الغاز في المناطق الاقتصادية بين البلدين، بسبب تداخل بعض العلامات الحدودية وصعوبة فصلها. الأمر الذي أدى سابقاً إلى انسحاب شركة "شل"، ورفض بعض الشركات العالمية الأخرى توسيع أعمالها في مصر قبل تسوية المشاكل الحدودية حرصاً على أموالها، أخذاً في الاعتبار أن قبرص كانت سبقت مصر للاستثمار في تلك المناطق بواسطة شركات "إيني" الإيطالية، التي تدير حالياً حقل "ظهر" المصري العملاق، و"توتال" الفرنسية، و"نوبل أنيرجي" الأميركية.

وتحاول تركيا التصدي لطموحات دول منتدى الغاز لتوسيع شبكة الأنابيب المقامة بين مصر والجانب الإسرائيلي، والمملوكة حالياً لشركة جديدة أسست خصيصاً لامتلاك شبكة الأنابيب، بين شركتي "نوبل إنيرجي" الأميركية و"ديليك" الإسرائيلية وشركة "غاز الشرق" المملوكة حالياً للدولة، ممثلة في جهاز المخابرات العامة وهيئة البترول، لتشمل قبرص، بهدف الاستفادة من مصنعي إسالة الغاز في مصر، واللذين ستستفيد منهما إسرائيل أيضاً. وتم تداول معلومات متباينة عن مدى نجاح تركيا في إيجاد كميات جيدة من الغاز قبالة سواحلها، ما يفاقم خشيتها من إنشاء سوق غاز إقليمية تخدم مصالح الأعضاء، من خلال تأمين العرض والطلب، وتنمية الموارد وترشيد كلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية، وتحسين العلاقات التجارية بين أعضاء المنتدى والشركات الأميركية والأوروبية الكبرى، ما يؤثر بالسلب على الاقتصاد التركي. وتدعم إدارة دونالد ترامب التحركات المناوئة لتركيا فانضمت بصفة مراقب لمنتدى الغاز، بالتوازي مع سعي الدوائر اليهودية وذات الأصول اليونانية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي لسرعة تمرير مشروع القانون المتداول حالياً في الكونغرس، باسم "قانون شراكة الطاقة والأمن في شرق المتوسط"، الذي أعده النواب روبرت مينديز وماركو روبيو وكريس فان هولين وغاري بيترز وكريس كونز، ويحظى بدعم واسع من الدوائر اليهودية وذات الأصول اليونانية بالحزبين الديمقراطي والجمهوري. ويهدف مشروع القانون لإنشاء مركز أميركي للطاقة في المنطقة، ووضع خطة متكاملة لتدشين تعاون استراتيجي مع الثلاثي الرئيسي، اليونان وقبرص وإسرائيل، للدفاع عن مصالحها المشتركة في مواجهة تركيا.

ذات صلة

الصورة
منار سامي (يوتيوب)

منوعات وميديا

أيدت محكمة استئناف مصرية، اليوم السبت، حكمًا بسجن واحدة من "فتيات تيك توك"، منار سامي، 3 سنوات بتهمة التحريض على "الفسق والفجور"، وبث فيديوهات "خادشة للحياء العام، بقصد ممارسة الدعارة"، وذلك في ثاني جلسات استئناف بالقضية
الصورة

سياسة

يستعد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الاثنين المقبل، لمناقشة أزمة شرق المتوسط والخلاف الحاد بين تركيا من جهة واليونان وقبرص من جهة أخرى بشأن حقوق التنقيب عن النفط والغاز، وذلك ضمن عدد من الملفات المطروحة أمام قمة قادة الاتحاد الأوروبي.
الصورة
أردوغان والسراج (الأناضول)

أخبار

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم الجمعة، إن تركيا منزعجة من إعلان فائز السراج رغبته في التنحي عن رئاسة حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دولياً، بحلول نهاية أكتوبر/ تشرين الأول.
الصورة

أخبار

كشف كبير موظفي البيت الأبيض، مارك ميدوز، الجمعة، أن 5 دول أخرى، ثلاث منها عربية، تدرس بـ"جدية" تطبيع علاقاتها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي على خطى الإمارات والبحرين.