الاتصال والانفصال
علي جازو (سورية)
غدا عالمنا المعاصر والسائل "قرية" اتصالٍ دائم ومستمر. وفي الآن، تعوزه سمات التوازن والاستقرار النفسي والمعيشي، خصوصاً للأجيال الناشئة وفئات الشباب. ويشوب الطموحَيْن الأخيرين (التوازن والاستقرار) نازعُ الخلاف العائليّ بين أجيال صاعدة، لها الأغلبية العددية والحاجة الملحة إلى كسب مكانةٍ جديرةٍ بها من جهة، وأجيال هرمة، لها قوة النفوذ والسيطرة التي تتجاوز حدود الدول ومعايير القانون السليمة، من جهة مقابلة.
وإذْ تقدّمُ الآلاتُ الحديثة، صغيرة خفيفة ومرهفة السطوح اللامعة، عوناً فريداً في لمّ شمل جهات الأرض كلها، بعضاً إلى بعض، تخرق عواملَ هذه الضمّ شبه القسري والمكلف تنافراتٌ تبدأ بالهوية الدينية والقومية، ولا تنتهي بحقوق النساء والمثليين وحماية البيئة والمناخ، بإطارهما الكونيّ. والحقّ أن أسباب العراك والصراع، وهو مؤسف ومحبط، أكثر بكثير من قوة التعاون المطلوبة بين الدول، شعوباً وقادة.
يحملُ وهمُ الاتصال المستمر، والسهل، صاحبَه وصاحبته إلى ذرى رومانسية، سرعان ما تتحطم على أول عتبة يخطوها المرء، حينما ينظر أمامه وتحت قدميه. فجهات الأرض المضمومة تهلّ عليه على نحوٍ صوريّ، مغرٍ ومتبدل، ويختلط في الضمّ هذا جحيم الكآبة مع وعود النعيم الآتي من كبسة زرّ لا غير. عدا ذلك، فصانعو الاتصال، والمتحكمون بمضمون بثّه، هم أنفسهم أغنى أغنياء العالم، ولا يعنيهم كثيراً اتخاذ التوازن معياراً بين المتصل الأعلى، السيدِ والمتلقي الأسفل العبدِ، فزمن الاستغلال هو هو عينه، واتخاذ تدابير ناجعة من دونه يبدو بلا جدوى فعلية، إذ يبقى قرينَ الدعوة لا الفعل، ومدارَ الوعد لا التنفيذ.
غير أن سمة ما داخل حقل المتلقين، وهم الغالبية المطحونة والمراقبة والباذلة مالاً وفائدة لصانعي ومالكي أسوار العالم المفتوحة، تكادُ تجعلهم جديرين بالهوان الذي هم عليه. ذلك أن الآلة – الخدمة تبقى مقامَ اليد والعين الآدميتين، وهي، بذلك، إنما تمنحهما مدى أوسع ونفوذاً أمضى. غير أنّ لا المدى يسَعَ ولا النفوذ يبلغ مرماه، وفي هذا تكون الصفة السلبية قرينة المستخدِم، الشابّ، لا الخادمِ المالك.
أكثر ما يحدث في عالمنا الحالي يكاد يتحول إلى محض صورة، وذلك لا يتناول مجال العين وحسب، بل تكاد وسائل الفكر المجرّد تتقزم أمام معطى البصر الغزير، ما يحوّل التواصلَ إلى متاهةٍ والانفصالَ إلى حاجةٍ، سرعان ما يجدها السئِمُ تعطسُ في وجهه منبهة إياه أنه هنا، في المدينة التي يحيا بها حيث الجوارُ القريبُ ربما أهم بكثير من الجَوْر الآتي من كلّ جهة. عدا هذا وذاك، لا سقفَ يحمي التواصلَ من الإسفاف والفقر، ذلك أن الغريزة التي هي قوة وحاجة، في آن واحد، هي هي ذاتها، وحاجة البشر إلى الألفة، تحميها قوتهم الذاتية في الحفاظ على حدودٍ يستقلّ بها الفرد، ليبقى خلاصة عن رأيه وسلوكه، وألا يغرق، بالتالي، في صورةٍ هي نسخة عن أيّ صورة أخرى.
ينسحبُ هذا الكلامُ، ربّما، على طرقِ الوصف والكتابة والملاحظة، ذلك أن تغطية الاحداث في الأخبار تبقى في مجال النشرِ، وهو، على أهميته، لا يقدم سوى ما يحدث من حولنا، دون أن يرفق نقل الحدث – وهو عين الاتصال اليوميّ – بما يحمله من خطر، أو ما يجلبه من فائدة، فضلاً عن تحصين القارئ، وهو هنا مشاهِد ومتفرِّجٌ أكثر مما هو قارئ على عهد كلاسيكي رصين، بأسس تحول دون دمجه في مجتمعٍ معولَمٍ شرسٍ، يكاد يصبغ الصفات ذاتها، جنوباً وشرقاً، شمالاً وغرباً.
تبدو الحدود الصغيرة والضيقة صغيرةً بالمعنى الكمّي، وحسب، غير أن نظرة فاحصة تجعلنا نعيد النظر في معنى هاته الحدود، للأفراد والجماعات، التي ربما تكتشف أن داخل الحيز الضيق فائدة ما، وأنّ عملاً بسيطاً، هنا، حيث ترى المدينة – مدينتك – أهم من أن تكون أنت وهي مرئيين داخل حقل العالم، من دون أن يكون العالمُ حاضراً إزاءك بأيّ شيء.