الإنتاجية العربية: فوضى غير خلاقة

25 مارس 2015
الصورة
الإنتاجية هي نواة تكوين الثروة الوطنية (Getty)
+ الخط -
تنشر منظمة العمل الدولية أرقام إنتاجية العمل في العالم العربي، والتي غالباً ما تشهد معدلات نمو سلبية. كما هو معروف، فإن الإنتاجية هي نواة تكوين الثروة الوطنية لأي بلد ومكون هام من مكونات الاستثمار، وبالتالي، أي تراجع في معدل الإنتاجية، سيكون له تبعاته على صعيد العملية الاستثمارية ككل، من مصانع ومعدات وأيدٍ عاملة. هناك من يعزو هذا الانخفاض إلى العدد القليل من القيود التنظيمية المتبقية في اقتصاد السوق الحرة.

في الواقع، السوق العربية هي سوق حرة إلى حد كبير، وباستثناء دول الخليج العربي، فإن معدلات الفقر والبطالة الحقيقية مرتفعة جداً في البلدان العربية التي لا تعاني من حروب واضطرابات. لذلك، لا يمكن عزو أسباب هذا النمو الضعيف في معدلات الإنتاجية إلى عوامل اقتصادية بحتة، بل إلى ميل الطبقات الحاكمة إلى وضع سياسات انفتاحية غايتها الأساسية توسيع ثرواتها.

فبعد خسارة العالم العربي لحروبه ضد الإمبريالية، خضع تشكيل الطبقة العاملة العربية، برعاية الطبقة الحاكمة الجديدة، إلى تفكيك جذري شمل حزمة من السياسات الليبرالية الجديدة، التي أفقدت العالم العربي الكثير من سلطته الفعلية حتى على اقتصاده الوطني.

خضوع العالم العربي لاقتصاديات الدول الكبرى وتفوقها العسكري، ليس حدثاً عابراً، فقد تم دمج اقتصادها في بوتقة الاقتصاد العالمي من خلال أداتي الحرب والنفط، تكبد فيها خسائر جسيمة، أجبرته على التخلي عن سلطته الذاتية لصالح سياسات السوق الحرة المتبعة، خصوصاً، من مؤسسات دولية متنفذة. أدت هذه السياسات، في نهاية المطاف، إلى تحويل موارد وثروات العالم العربي إلى الخارج، ومن ثم، تقويض الأمن المعيشي لطبقاته العاملة.

وخلافاً للرأي الليبرالي القائل بأن الانفتاح يشحذ الإنتاجية ويزيد الأجور، إلّا أن ما حدث هو العكس تماماً. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، لم يكن هناك أي تحولات مهمة على صعيد خلق قطاعات اقتصادية مؤثرة أو تأسيس لشركات كبرى في العالم العربي، الذي من شأنه أن يسمح لمزيد من المرونة في الطلب على العمالة. نتيجة لذلك، نما الطلب على العمالة في العالم العربي بمعدل أقل بكثير من المعروض في سوق العمل، في حين كانت الوظائف في مرحلة ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت هيمنة الدولة على نواحي الاقتصاد، تنمو بشكل متقارب الى حد كبير مع معدل المعروض في سوق العمل.

فشلت الحكومات العربية غير النفطية، منذ عام 1980، في خلق فرص عمل لائقة لشعوبها في ظل الارتفاع الكبير في معدل نمو القوى العاملة، حيث سجلت معدلات البطالة الرسمية، في السواد الأعظم من الدول العربية، أرقاماً مزدوجة بلغت مستويات قياسية. وفي ضوء تزايد الحروب الإقليمية، وانخفاض معدلات الاستثمار، واستمرار الاعتماد على السياسات الليبرالية الجديدة، فإن اتجاهات النمو المستقبلية تشير إلى المزيد من التدهور في وضع العمالة، والتي من المرجح أن تترك وراءها عدداً متزايداً من الباحثين عن عمل.

وخلال الفترة بين 1980 و2000، ظلت معدلات النمو الاقتصادي في العالم العربي هزيلة، تتراوح في المتوسط بين اثنين وثلاث نقاط مئوية. أما معدلات الاستثمار، وحجم الصادرات من السلع المصنعة، وكثير من المتغيرات الأخرى التي تؤثر على الطلب على العمالة، فقد استمرت دون تغير إيجابي جوهري، حيث أثبتت السياسات التي تعزز آلية السوق الحرة عدم ملائمتها التنمية العربية، في ضوء أوضاع سياسية غير مستقرة، وأسعار نفط متقلبة. ومنذ عام 2000، تسبب ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى ارتفاع مخيف في التكلف المعيشة للمواطن العربي، ما أدى إلى استنزاف الموارد البشرية، وتحول المزيد من العمالة العربية إلى الوظائف ذات الأجور المتدنية.

ليس مستغرباً، إذن، أن يسجل معدل نمو الإنتاجية في العالم العربي متوسطاً سلبياً لعقدين من الزمن، حيث ظل نصف سكان العالم العربي، حتى قبل إندلاع ثورات الربيع العربي، يعيش على أقل من دولارين، في اليوم الواحد، نصفه يُنفق على الاحتياجات الغذائية. وهنا تكمن مأساتنا الاقتصادية. فعلى الرغم من تواضع القيمة المتمثلة في الدولارين يومياً، إلا أنه معيار غير ذي صلة بالسياق العربي، ذلك أن الدول العربية من أكثر دول العالم اعتماداًعلى الغذاء المستورد، وبالتالي، فإن هذا المعيار يعطي معلومات خاطئة حول ظروف الفقر في العالم العربي. فلدى الدولار قوة شرائية أكبر بكثير في الهند، التي تنتج أغلب احتياجاتها من الغذاء، مقارنة بقوته الشرائية في الأردن، الذي يستورد أكثر من 80% من احتياجاته الغذائية.

إقرأ أيضا: إبراهيم الضاحي: من مدرس إلى مستثمر عالمي

المساهمون