الإعلام في الجزائر ومسودّة الدستور بين المتاح والمأمول




28 يونيو 2020
الصورة
لطالما انتظر الجزائريون إشراقة شمسٍ على المنظومة الإعلامية، في بلدهم، لنراها تلامس الإشكالات الحقيقية للمواطن، وتتعرّض لهمومه، بتناول القضايا الكبرى للبلاد. ولكن ما يرونه هو تردٍّ مستمرّ في براثن الإلهاء، بكلّ ما يحمل ذلك من معنى، كما يجري في مناقشة مسودة التعديل الدّستوري. استبشر الجزائريون خيرا عندما رأوا المناقشات الأولى للمسودّة على قنوات الإعلام العمومي، وبعض القنوات الخاصّة، وكانت نبرة الحديث تتمتّع بسقف حرية مرتفع، أو هكذا بدت، لأوّل وهلة. ولكن، بعد أيّام، عادت اللّغة الخشبية نفسها إلى تصدّر المشهد بضيوف يتمّ اختيارهم ليؤدّوا الأدوار المنوطة بهم، أي الانتقاد بلغة ناعمة في محاورات يكون أغلبها مسجّلا، لتفادي المفاجآت المرفوضة، ومن دون الانفتاح، ألبتّة، على الحراك، على المعارضين أو من رفعوا الصّوت، عاليا، بالانتقاد الشّديد للمسودّة، وكلّ ما تحمله من مضمون، بل رأينا ضيوفا ممّن يركّز على القشور من دون الغوص إلى اللّباب، لباب الإشكالات المطروحة في المسودّة، والتي سبق وأن أشار إلى بعضها الكاتب في مقالات سابقة في "العربي الجديد"، وفي مقدمتها على سبيل المثال مسائل متّصلة بالهوية، أساسا، أو تلك التي تشير إلى جاليتنا في الخارج ومكانتها في مشروع بناء الجديد بأطر الكفاءة، الخبرة والعلم.
هناك أكثر من قضية طُرحت، غير أنّ ذلك لم يكن بغرض إثارة النّقاش بقدر ما كان، فقط، للإلهاء الإعلامي، وإظهار أنّ القنوات ترفع سقف الحرية إلى أقصاه، دونما رقابة أو إعمال 
لمقصّ الرّقيب للآراء المعارضة، أو لنقل، الواقعية في النّقد. قد شوهد ذلك في إحدى المرات التي ادّعى بعضُهم، فيها، إنّ الحراك انطلق عقب اجتماع سرّي نظّمته قناة تلفزيونية في باريس، ذلك أنّ القناة العمومية التي عرضت الحصة (الندوة التلفزيونية) تركت المجال للنّقاش، بل وللرّدود من أحد الضّيوف على هذا الادّعاء، في بادرة خير، ولكن تلك القناة والأخريات غيرها، عمومية وخاصّة، لم تتقدم أكثر من ذلك، وتتجاوزه، فأصبح الرّأي الذي يُدافع عن توجّهات بعينها هو البارز، وغيره من الآراء تمّ إغفالها أو لا تجد لنفسها مُتنفّسا للحديث إلا على منصّات التّواصل الاجتماعي، وأحيانا، بأسماء مستعارة، وبتخوّف من كلمات تُكتب، أو مشاهد لتعبير مسجّل يُعرض، قد يكون ضدّ الخطّ النقاش العام الذي يُراد لنقاش مسودّة التعديلات الدستورية أن يسود.
ما هو سقف الحرية الذي يمكن أن تستحقّه وثيقة بحجم مسودّة الدّستور، خصوصا أنّ ما أثارته، في بعض الأبواب، يحتاج إلى أخذ ورد، إمّا لإقناع الجزائريين بأنّه ما يليق بجزائر تعيش عصر المتغيرات أو لتفنيد ذلك المضمون، بزعم أنّه لا يتلاءم مع ما ننتظره في قادم الأيّام، على الأصعدة كافة؟
تلك إشكالية عويصة تُلزم من عرض الوثيقة، أي السّلطة، بفتح الباب، واسعا، أمام المتدخّلين، من كلّ أطياف المجتمع، حتّى يكون العقد الاجتماعي المقترح، يوم إقراره، سواء كما جاء، بالإقناع، أو عبر الحذف، الإضافة أو التغيير، كما جاء في وسائل الإعلام العمومية، بصفة خاصّة، عقدا اجتماعيا توافقيا، من ناحية، وغير قابل للتّعديل، وفق هوى من سيأتي من الرّؤساء، من ناحية ثانية، كما هو حال الجزائر، منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما تمّ إقرار دستور للبلاد، في عهد الرّئيس الراحل، هواري بومدين، باعتباره دستور الشّرعية الدّستورية، وليس الشّرعية التّاريخية كما كان ذلك شأن دستور 1963، إبّان حكم الرّئيس الراحل أحمد بن بيلا.
ما شوهد لا يعدو كونه نقاشا بيزنطيا، كما سبق الكتابة عنه، في مقالة في "العربي الجديد"، إضافة إلى أنّه، مع قرب انتهاء فترة النّقاش، يبرز، إلى الأفق، أنّ ما عرضته المسودّة في 
مجالات الفصل بين السّلطات، صلاحيات الرّئيس أو اقتراحات إنشاء منصب لنائب الرئيس، إمكانية إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج في عمليات حفظ السلّام، صلاحيات رئيس الحكومة، ومن أين يأتي، من الأغلبية أم وفق رغبة الرّئيس، أو حتى الإبقاء على الغرفة العليا للبرلمان، مجلس الأمّة، كلّها اقتراحاتٌ لم تلق نصيبها من النّقاش، لتركزه على مسألة ترسيم الأمازيغية أو دور الجالية الجزائرية في الخارج في مشاريع اقتصادية، علمية وتكنولوجية، فقط.
هل يقتصر دور الإعلام في الجزائر في عرض مسودّة الدستور على النّقاش أو في شرح الجديد في عرضها ثمّ المجيء بالنّخبة والخبراء لعرض آرائهم لبسط فهمهم، قبولا ورفضا، المضمون بلغة يكون سقف الحرية فيها مرتفعا، وعباراتها مفهومة لكلّ الجزائريين حتى لا يكون الدّستور شأنا سياسيا ونخبويا، باعتباره عقدا اجتماعيا، قصده تجسيد التّوافق المجتمعي، بكل ما تحمل العبارة من معنى، أي أن يكون الجميع على مستوىً متقارب من فهم مواد المسودّة، خصوصا التي أثارت النّقاش، بصفة خاصة.
على الإعلام، عموميا وخاصّا، مكتوبا أم مرئيا أو مسموعا، وحتّى الافتراضي منه، أن يتّجه نحو فتح أبوابه أمام الجميع، لأنّ الهدنة الصّحية، التي أوقفت خروج الحراك الأسبوعي، ليست حجّةً لتكون المناقشة مقتصرة على من يرى اتّجاه الريح، في مواقف السّلطة تجاه المسودّة، ثمّ يقوم بالتّعبير عمّا يراه يليق بتلك الرؤية، في حين أنّ الرّؤى الأخرى موصدة، دونها، كلّ الأبواب، وكأنّما القناع الذي أصبح ارتداؤه ملزما، قانونا، من جرّاء وباء كورونا، ليس فقط قناعا صحّيا، بل هو قناع سياسي، أيضا، يلزم الجميع باتّباع تلك الرّؤية أو قصر المناقشة على قشور المسودّة من دون لباب المسائل المطروحة فيها، والتّي يمكن، بسبب هذا التناول الإعلامي المحتشم والقاصر، أن تكون بمثابة الشّجرة التي تغطّي الغابة، أي انتهاء آجال المناقشة من دون أن تكون الوثيقة قد نالت حظّها الكامل من البحث والتمحيص السّياسي، القانوني والدّستوري، بصفة خاصّة.
يُستعاد هنا ما سبق أن كتبه صاحب هذه المقالة، بشأن ما بثّته إحدى القنوات الفرنسية عن الحراك الجزائري، أنّ غياب منظومة إعلامية محترفة ومهنية في الجزائر لن تكون إلا وبالا، 
ليس فقط في مسألة مناقشة مسودّة الدّستور، بل في مسائل أكثر حيويةً، لها صلة بمصالح الجزائر، على غرار الحالة الليبية، العلاقات مع فرنسا، القوى الإقليمية والدولية، وفي الدّفاع عن مصالح الجزائر الطاقية، والبلد غازي ونفطي، بل ويعتمد على الطاقة في موارده المالية، بصفة رئيسية.
لطالما قلنا إنّ من شأن غياب تلك المنظومة الإعلامية أن يغيّب الرّأي الذي يدافع عن مصالح البلاد، كما يمكنه أن يحول دون وصول الخبرة الجيدة إلى السّلطة، بما يحفظ الخيط الرّفيع الذي يربط بين القمّة والقاعدة، ويزيد من التّماسك الاجتماعي، في إطار عملية تواصلية متعاضدة بين القناة، مضمون العملية الاتّصالية والرّدود، سواء كانت بالرّضا أو بالرّفض، ليكون هناك ما تسمّى التّغذية الاسترجاعية، في إطار نظرية الاتّصال المعرفة، أي منظومة ربط دائم بين الجزائريين، تمنع انتشار الإشاعة أو الأخبار الخاطئة، خصوصا في زمن وسائل التّواصل الاجتماعي والعولمة الإعلامية، وما تحمله من إمكانات التّضليل والتّهويل، فضلا عن احتمالات التّلاعب بالوعي الجمعي ورديفه، حقّا، وهو التماسك الاجتماعي/ التّوافق المجتمعي.
بالنتيجة، ليست فرصة مناقشة المسودّة سياسية، وليست لعبة في إطار توازناتٍ بين السّلطة والحراك أو المعارضة، بل هي رهان للتّأسيس، حقا، للجزائر الجديدة، بالمعنى الذي تحدّثنا عنه، وليس بالاستقطاب، تغليب رؤية معيّنة وفتح الباب، على مصراعيه، للخلاف الدّائم، مع احتمال أكيد لتضييع فرصة التّغيير التي قد لا تأتي إلا بعد فوات الأوان.. بل يكون ذلك باحترافية، بواقعية، وبتغليب مصلحة الجزائر على المصالح الضيقة، أيّا كانت. لأنّ ذلك ليس من السياسة في شيء، بل هو سياسوية مقيتة.