الإعلام... رصاصةٌ أولى في صدر السوريين

15 مارس 2019
الصورة
شيطن النظام الثورة عبر إعلامه (فراس فهام/الأناضول)
"كاذب، كاذب، كاذب... الإعلام السوري كاذب"، كان ذلك من أوائل شعارات الثورة السورية التي انطلقت منتصف آذار/مارس من عام 2011. يؤكّد الشعار عمق الهوّة بين السوريين والإعلام الذي كان من المفترض أن يكون صوت حالهم، ولكنه، ككلّ المؤسسات التي تتبع النظام، كان (ولا يزال) مسيّراً وبوقاً للسلطة، فقد السوريون ثقتهم فيه منذ عقود. 

منذ الأيام الأولى للثورة، كان من الواضح أنّ النظام أعد عدّته، منذ أواخر عام 2010، حين بدأت الموجة الأولى للربيع العربي في تونس، لمواجهة أي حراك ثوري يدعو إلى تغيير عميق في بنية النظام السياسية والعسكرية والأمنية. وكان الإعلام من ضمن أهم الأسلحة التي استخدمها النظام لقتل الجوهر الأخلاقي للثورة السورية التي ظلت محافظة على سلميّتها لعدة شهود متلاحقة، وهو ما هدد النظام جدياً، ودفعه إلى شيطنة الثورة من خلال إعلامه في سورية ووسائل الإعلام المرتبطة به وبإيران، خصوصاً في لبنان.

لم يحِد إعلام النظام قيد أنملة عن رواية مكررة منذ بداية الثورة، مفادها أنّ الحراك الشعبي "مؤامرة كونية تحركها أصابع خارجية"، متجاوزاً في سبيل إقناع السوريين بروايته، خاصةً الموالين، كلّ الخطوط الحمراء. حيث خاض في مستنقعات تدليس وكذب وخداع لم يسبقها إليه إعلام في العالم من قبل. كان الإعلام الأداة الأولى قبل البندقية للنظام في تمزيق نسيج المجتمع السوري، حيث شطره من الوسط؛ شطر مع النظام يعني مع "الدولة"، وشطر آخر وصمه بأنه "مارق متمرد يستحق القتل والتهجير"، لأنّه طالب بحرية مفقودة وكرامة مغتصبة منذ عام 1970، أي منذ "استولى" حافظ الأسد على البلاد.

وصف إعلام النظام، الذي يدار من قبل الأجهزة الأمنية، المتظاهرين، بالمخرّبين، مبرراً لهذه الأجهزة الفتك بالمدنيين، في الشهور الأولى من الثورة، متناسياً تماماً المجازر التي كانت تُرتكب. بل ذهب أبعد من ذلك في التضليل الإعلامي المشوّه إلى حدّ أن قناة "الدنيا"، العنوان الأبرز في الدعاية السوداء، قالت إنّ السوريين خرجوا في مظاهرات شكر لله في حي الميدان الدمشقي على الأمطار التي هطلت في ربيع عام 2011، وهو ما كان ولا يزال مدعاة سخرية واسعة لدى السوريين.

لم ينتظر النظام طويلاً بعد انطلاق الثورة السورية قبل أن يؤسس ما يُسمّى بـ "الجيش الالكتروني" الذي تلقّى عناصره المقدّرون بالآلاف، تدريباً عالي المستوى في طهران، لمواجهة إعلام الثورة الذي استطاع، إلى حد بعيد، تعرية النظام وطرق فتكه بالشارع المعارض في البلاد. شرع هذا الجيش الذي خُصصت له ميزانية كبيرة، على الفور، في فبركة مقاطع فيديو وأنباء تسيء للثورة السورية، زاعماً أن الهدف من وراء المظاهرات إنشاء "إمارات سلفية" في عدة مناطق، منها محافظة درعا ومدينة تلكلخ في ريف حمص الغربي وبانياس على الساحل السوري ومناطق سورية أخرى، وهو ما مهّد الطريق لارتكاب مجازر لا تزال الذاكرة السورية تئن من هول فداحتها، حيث دشنت قوات النظام، قبل التنظيمات المتشددة، عمليات الذبح بالسواطير والسكاكين لأطفال ونساء ومدنيين عُزّل.

كما قام "الجيش الإلكتروني" بنشاط محموم على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، متخذاً منها منصات ضخ أنباء مفبركة وخطاب كراهية وتحريض على استمرار الفتك بالشارع السوري المعارض، تطوّر بعد ذلك إلى حدّ مطالبة النظام بقصف المناطق الخارجة عن السيطرة بأسلحة محرمة دولياً، وهو ما تحقق أولاً في غوطتي دمشق الشرقية والغربية منتصف عام 2013، حيث قتل الآلاف من المديين، وأغلبهم أطفال ونساء، خلال دقائق، وتالياً في العديد من المناطق السورية. كما كان لإعلام النظام الدور البارز في حرْف الثورة السورية عن مسارها، من خلال تسريب مقاطع تظهر الشبيحة (الفئة الأكثر ولاء للنظام) وهم يعذبون متظاهرين حتى القتل بطرق بشعة، مستخدمين شعارات طائفية من أجل استدعاء رد فعل غاضب وعنيف من الشارع السوري الثائر، وهو ما يجرّ الثورة إلى صراع مسلّح خطط له النظام بعناية من أجل سحق السوريين، وتبرير ذلك أمام الرأي العام العالمي، تحت قناع مواجهة "مجموعات إرهابية مسلحة"، الوصف الذي لا يزال يستخدمه إعلام النظام حتى اللحظة، للداعين إلى نقل البلاد من ضفة الاستبداد إلى ضفة العدالة والديمقراطية والمساواة بين كل مكونات المجتمع السوري.

وكان التلفزيون الرسمي، ولا يزال، المنبر الأهم الذي يعتمد عليه النظام في بث كل ما يثير الفرقة والشقاق بين السوريين (موالين ومعارضين)، حيث يتولى مفاصل هذه المؤسسة التي كان من المفترض أن تكون لكلّ السوريين، أناس اختارتهم الأجهزة الأمنية بعناية، ومن بينهم من مارس "التشبيح الإعلامي" إلى حده الأقصى، بل إنّ بعضهم يتباهى بأنه قتل متظاهرين في العاصمة دمشق في عام 2011. كما مارس النظام ضغطا كبيرًا على الصحافيين والعاملين في الحقل الإعلامي السوري، الذين لم يعلنوا الولاء المطلق له ولم يعملوا بمقتضى الإعلان، ما دفع أغلبهم إلى مغادرة بلادهم خشية الانتقام من قبل النظام، الذي قتل واعتقل المئات من الصحافيين والناشطين الإعلاميين خلال سنوات الثورة، حيث حارب النظام الكلمة واعتبرها عدوه الأول.
وبث التلفزيون السوري اعترافات أدلى بها معتقلون ومعتقلات تحت التهديد، كان الهدف منها إظهار ما يحدث في البلاد على أنه من تدبير جهات عربية وغربية. بل حاول هذا الجهاز الأكثر فتكاً إعلامياً في المجتمع السوري تشويه صورة المرأة السورية التي شاركت في الحراك الثوري.

وذهب عاملون في إعلام النظام إلى حد بث تقارير من فوق جثث القتلى في عدة مناطق سورية. ولعلّ ما فعلته المراسلة ميشلين عازر، العاملة في قناة "الدنيا"، في عام 2012، لا يزال ماثلاً بالأذهان، حيث تنقلت بين جثث الأطفال والنساء في مدينة داريا جنوب غربي العاصمة دمشق. كان مشهدًا صادماً لكل السوريين، تكرر كثيراً من قبل عاملين في الإعلام المرتبط بالنظام، حيث التقطوا صورًا وبثوا تقارير من فوق جثث المدنيين المكدسة الذين قتلتهم قوات النظام في العديد من المناطق السورية.

ومنع النظام الإعلام العربي والغربي من ممارسة أي نشاط خارج إرادته في عموم سورية. بل تعمّد قتل صحافيين أجانب جاؤوا إلى البلاد لتغطية الأحداث، أبرزهم الصحافية الأميركية ماري كولفين، التي كانت تعمل في صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، وقتلها النظام في مدينة حمص وسط البلاد في عام 2012.

وشكّل النظام إعلاماً رديفاً له في لبنان، حيث موّل صحفاً وقنوات تلفزيونية، حاولت هي الأخرى تشويه الثورة. ولعل كذبة "جهاد النكاح" التي أطلقها إعلامي عربي معروف من خلال قناته التي ولدت بعد الثورة السورية بدعم من النظام وإيران، أبرز مثال على الخطاب القائم على التضليل الذي انتهجته هذه القناة وسواها من الإعلام المساند للنظام، من أجل ضرب الثورة السورية في مقتل.