الإعلام السعودي في قضية جمال خاشقجي... تجاهلٌ ثم تحريض

الإعلام السعودي في قضية جمال خاشقجي... تجاهلٌ ثم تحريض

09 أكتوبر 2018
الصورة
اختفى خاشقجي في القنصلية السعودية يوم 2أكتوبر(ياسين أكغول/فرانس برس)
+ الخط -
في نفس الفلك، تدور وسائل الإعلام السعوديّة. فهي تعرف قاعدة واحدة للعمل الصحافي منذ أكثر من عام: التحريض. وهذه الآليّة التي غرقت فيها منذ فرض دول السعودية والبحرين والإمارات ومصر حصارها الجائر على دولة قطر، تعود هي نفسها اليوم في "تغطية" قضية اختفاء الصحافي السعودي البارز، جمال خاشقجي

يوم الثلاثاء الماضي، اختفى خاشقجي بعدما دخل قنصليّة بلاده في إسطنبول كي يستخرج أوراقاً شخصيّة. تسبّب ذلك بموجةِ إداناتٍ واسعة عالمياً، ومطالبات بالكشف عن مصير الصحافي. بقي الإعلام السعودي صامتاً هنا، متجاهلاً سنوات الزمالة التي قضاها خاشقجي فيه كصحافي. وقبل أن تبرد الإدانات الواسعة لاختطافه، والمطالبات بالكشف عن مصيره، كان استنتاج الشرطة التركيّة ليل السبت - الأحد: جمال خاشقجي قُتل في القنصلية وأُخرج منها جثّة. هنا، استعاد الإعلام السعودي "لُعبته"، فبدأ، فجأةً، يهتمّ "بمواطنٍ سعودي مختفٍ"، محرّضاً ضدّ الإعلام الذي يطالب بمعرفة مصير خاشقجي، وضدّ دولة قطر في مقاربة غير مفهومة، على قاعدة واحدة: نفي جميع الروايات ما عدا الصادرة عن السلطات السعودية، ومحاولة تصوير قضية اختفاء صحافي بارز عالمي كشأنٍ داخلي، بالإضافة إلى الكثير من نظريات المؤامرة البالية.

وفي الإعلام السعودي أيضاً بدا التركيز واضحاً على تجريد خاشقجي من صفته كصحافي بارز، مع التشديد على أنّه "مواطن سعودي"، لما في ذلك من دلالة على أنّ القضية شأن داخلي. وكأنّ اختطاف مواطنٍ في قنصليّة بلده خبر "أقل أهمية". كما برزت محاولات التصويب على مصداقية خطيبة خاشقجي، واختلاق مواجهةٍ بينها وبين عائلته السعوديّة.
وقد يتوقّع المتابع للإعلام السعودي، أو لمسيرة خاشقجي الصحافية، أن تقوم وسائل الإعلام التي عمل فيها، أو التي كان ضيفاً رئيسياً على شاشاتها، بمناصرته، والمطالبة بالكشف عن مصيره، لكنّ الصورة كانت معاكسة تماماً.



إذ بدأت تغطية صحيفة "الحياة" في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. بعد يومين من اختفاء خاشقجي، وقبل يومٍ واحد من حديث بن سلمان لوكالة "بلومبيرغ"، لتنشر فقط بياناً للسفارة السعودية في إسطنبول.

عنونت الصحيفة لتقريرٍ عن اختفاء خاشقجي، على موقعها الإلكتروني، الإثنين، قائلةً (مواطن سعودي مفقود.. و"رواية اغتيال" منسوجة بـ"أيادٍ" اعتادت على "الحملات الممنهجة")... وكأن اسم جمال خاشقجي ليس معروفاً بالنسبة للصحيفة، ولا ذكره مهمّاً، بل المؤامرة هي المهمة، والأهم، أن يكتب "زميل خاشقجي" (عمر البدوي) مقالاً عن اختفائه، فقط ليدين صحافيين عاملين في قناة "الجزيرة"، بسبب تغريداتهم.


نشرت "الحياة" التي كتب فيها في وقت سابق خاشقجي، عن اختفاء هذا الأخير بضع مقالات، أغلبها بين يومي الأحد والإثنين، أي عند اشتعال العالم بخبر اغتيال الصحافي داخل القنصليّة، كانت جميعها مخصّصةً لنفي تصريحات مسؤولين أتراك، وبينها خبر عن خطاب الرئيس التركي رجب أردوغان، والمقال التحريضي على إعلاميي الجزيرة.



أما صحيفة "الوطن"، والتي كان خاشقجي رئيس تحريرها، فاستخدمت الأسلوب ذاته، مع تركيز تحريضها ضدّ قطر. وفي مقالٍ نشرته مساء أمس على موقعها الإلكتروني بعنوان "طبخة المثلث الحاكم بقطر في الكوميديا السوداء للاختفاء"، اتّهمت دولة قطر باختلاق القصة برمتها. وأشارت إلى التغطية الصحافية حول القضية بالقول "المحاولات المستميتة لإلصاق اختفاء المواطن السعودي جمال خاشقجي بالحكومة السعودية".


وبنفس الأسلوب، عنونت صحيفة "عكاظ" في مانشيتها الرئيسي، الإثنين، قائلةً "خسّة وكذب: إصرار قطري وإخواني على رواية مقتل خاشقجي يثير الشكوك".
وخصّصت الصحيفة أكثر من تقريرٍ تحريضي، بينها تقرير حمل عنوان "عائلة خاشقجي: لا نعرف خديجة وليست خطيبة جمال"، بالإضافة إلى آخر بعنوان "بعد "مسرحية اختفاء خاشقجي".. هل تورطت قطر وأزلامها؟". ويحاول التقرير الأخير، أولاً تسخيف القضية عبر اعتبارها مسرحيّة، وثانياً إلصاق القضية برمّتها بإعلاميي قناة "الجزيرة"، وكأنّهم هم من أخفوا جمال خاشقجي، تماماً كتقرير صحيفة "الحياة".


أما صحيفة "الرياض"، فعنونت في صفحتها الأولى، الإثنين: "الإعلام التركي... تضارب تصريحات ومصادر مجهولة!"، هذا علماً أنّ وكالات الأنباء العالمية ــ كوكالة "رويترز" التي تستشهد الصحيفة بها لتؤكد "خلوّ" القنصلية من أي أثرٍ لخاشقجي ــ هي التي تخرج أولاً بالأخبار عن قضية خاشقجي.



قناة "العربية" بدأت تغطيتها أيضاً يوم الخميس، لنشر ذات بيان القنصلية السعودية. ثم تحوّلت قضية خاشقجي إلى خبر بالنسبة للقناة، يوم الأحد، لتُكثّف القناة من "تكذيب" استنتاجات الشرطة التركية. وخصصت مقالاً على موقعها الإلكتروني لفيديو زيارة صحافيي "رويترز" للقنصلية، لإظهار أنّ خاشقجي غير موجودٍ فيها.

وركّزت "العربية" على خطاب الرئيس التركي أيضاً، وتحديداً آماله الإيجابية في القضية. لتتحول بعد ذلك إلى عائلة خاشقجي المتواجدة في السعودية، فزجّت بها في القضية، ونقلت تصريحاً عن نجله الأكبر (صلاح) يقول فيه إنّ "القضية أنّ مواطناً سعودياً مفقودٌ وليست سياسية"، ونفيه أي معرفة بخطيبة خاشقجي، خديجة، بل ومطالبتها بالكفّ عن تناول قضية الصحافي، "لأن عائلته أولى بالموضوع".




الذباب الإلكتروني
من المعروف أنّ القوة الإلكترونيّة السعودية تتركّز في موقع "تويتر"، إذ إنّ عدد مستخدميه في السعودية يفوق الدول العربية الأخرى. ومن المعروف أيضاً، أنّ الذباب الإلكتروني (الذي كان يهاجم جمال خاشقجي باستمرار) ينشط في الترويج لروايات خياليّة، ومحاولة تكذيب وإسكات أي طرفٍ يعارض السعودية أو محمد بن سلمان.

وفي قضية اختطاف الصحافي جمال خاشقجي، كان للذباب الإلكتروني دورٌ واضح منذ اليوم الأول: في البداية، حاولت تلك الحسابات تصوير خاشقجي كخائنٍ لبلده، مع السخرية من خبر اختفائه. ثم تحوّلت مع يوم الأحد إلى "الدفاع عن المواطن السعودي"، عبر وسم "#السعوديه_يهمها_جمال_خاشقجي"، والتي حاولت القول إنّ السعودية هي الجهة الوحيدة المهتمة بسلامة خاشقجي، وكيل الاتهامات لمعارضي بن سلمان، بالإضافة إلى نشر نظريات المؤامرة.

وحاولت تلك الحسابات أيضاً تشويه صورة خطيبة خاشقجي وإهانتها بشكلٍ شخصي. ونشرت صورةً تجمعها بالصحافي القطري جابر الحرمي، والملتقطة على خلفية مقابلة أجريت قبل أشهر بسبب بحث أجرته هي. وحاول الذباب الإلكتروني إساءة استخدام الصورة لتبدو كأنّها في صلب "المؤامرة" وخلال "التخطيط لها".

المساهمون