الإعدامات السعودية والموقف الأميركي... سياسياً وقانونياً ومذهبياً

04 يناير 2016
الصورة
أعربت وزارة الخارجية الأميركية عن "قلقها" إزاء الخطوة (Getty)
أثارت الإعدامات التي نفّذتها السلطات السعودية بحق 47 شخصيّة بتهمة قضايا إرهابية، في 12 منطقة سعودية، أول من أمس السبت، انزعاجاً أميركياً مشوباً بالقلق. ولم تمنع تهمة الانتماء لتنظيمات إرهابية، وارتكاب جرائم التفجير والقتل والخطف التي ارتكبها بعض الذين نُفِّذ الحكم بحقهم، ضد مقيمين أميركيين في المملكة، من إثارة غضب حلفاء الرياض في واشنطن، فضلاً عن خصومها. وطغى اسم الشيخ نمر باقر النمر على سائر من وردت أسماؤهم في قائمة الـ47 الذين تم تنفيذ أحكام الإعدام بحقهم.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أوّل من بادر إلى الإعراب عن الانزعاج الأميركي إزاء الخطوة والتشكيك في مصداقية التهم المنسوبة لأفراد القائمة. وكشف وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، في بيان رسمي شديد اللهجة، عن أنّ الإدارة الأميركية "سبق أن أبدت لنظيرتها السعودية قلقها من سلامة الإجراءات القضائية التي أفضت إلى إصدار أحكام الإعدام، وأثارت المسألة مع المسؤولين السعوديين على أعلى المستويات".

وأضاف كيري، في بيانه عقب صدور الأحكام: "نوجّه من جديد نداءً لسلطة المملكة العربية السعودية إلى احترام وحماية حقوق الإنسان، وضمان إجراءات قضائية نزيهة وشفافة في جميع الحالات". كما تضمّن البيان الأميركي مطالبة الرياض بـ"فتح المجال للمعارضة للتعبير السلمي عن مطالبها والعمل جنباً إلى جنب مع جميع قادة المجتمع السعودي لنزع فتيل التوتر الناجمة عن عمليات الإعدام هذه".

أما عن التبعات السياسية الإقليمية المتوقّعة من إعدام النمر تحديداً، فقد أعربت الإدارة الأميركية عن قلقها من "مخاطر تفاقم التوترات الطائفية، بينما هناك حاجة ماسة للتقليل منها". وفي الشأن ذاته، انتقد القيادي الجمهوري المحسوب على المحافظين، جون بولتون، إعدامات السعودية، قائلاً، إنّها "قدّمت الفرصة لإيران لتنفيذ أجندة سياسية خاصة بها، مستغلة حالة الضعف الأميركي التي أوجدتها سياسات إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وسعيه للانكفاء عن مشاكل المنطقة الخطيرة جداً على الأمن القومي الأميركي". وأدلى بولتون بتصريحاته إلى محطة "فوكس" الإخبارية التي تتصدّر الحملة في الإعلام الأميركي ضد السعودية، وضد التنظيمات الإرهابية المناوئة لها على حد سواء.

ورأى بعض المراقبين أنّ ردود الفعل الأميركية والتعليقات الإعلامية انحصرت بإعدام النمر وحيثيّته المذهبية، بما يوحي وكأن جميع الأسماء الواردة في قائمة الإعدامات ينتمي أصحابها إلى المذهب الشيعي، الأمر الذي يثير مخاوف البعض من اضطرابات طائفية، خصوصاً بعد الاعتداء على السفارة السعودية في طهران.

ويجهل كثير من المعلّقين أنّ 43 من أصل 47 ممّن أُعدموا ينتمون إلى مجموعات تدور في فلك تنظيم "القاعدة". غير أنّ بعض المدافعين الأميركيين عن حقوق الإنسان لا ينطلقون من التأثيرات السياسية للبعد الطائفي، بقدر رفضهم عقوبة الإعدام من حيث المبدأ، خصوصاً إذا كان ضحاياها من الناشطين سياسياً.

اقرأ أيضاً يوم إعدامات السعودية: استنفار في المملكة وخارجها 

وبما أنّ المنخرطين في التنظيمات الإرهابية يرتكبون جرائمهم لتحقيق مطالب سياسية، فإن بعض المنظمات الحقوقية تضعهم في خانة خاصة، وترفض تنفيذ أحكام بالإعدام ضدهم. حتى الإدارة الأميركية نفسها، لم تقدم حتى الآن على تقديم المشتبه بمشاركتهم في هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 للمحاكمة. وأرسلت واشنطن المتهمين إلى معسكر (سجن) غوانتانامو خارج الأراضي الأميركية، لأن محاكمتهم أمام القضاء المدني لن تؤدي بأي حال إلى إنزال عقوبة الإعدام بحقهم، بل قد ينجو بعضهم من العقوبة تحت مبرر عدم سلامة إجراءات الضبط والاعتقال.

لهذا، فإن إدارة الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، ومن بعدها إدارة أوباما، عمدت إلى اعتبار المشتبهين بالإرهاب "محاربين أجانب يمكن استهدافهم بالقتل" في أرض المعركة وتفادي محاكمتهم بأي ثمن، مثلما حصل مع زعيم تنظيم "القاعدة"، أسامة بن لادن. وتتعرض الإدارة الأميركية لموجة من الانتقادات من كافة الاتجاهات نتيجة الإجراءات الأميركية بحق مشتبهين لم يثبت الجرم عليهم قانونياً في محاكمات شفافة.

أما في ما يتعلق بالإجراءات السعودية، فإن البيان الصادر عن وزارة الداخلية السعودية، أول من أمس السبت، عن الإعدام، فتح الباب على مصراعيه للانتقاد والتشكيك أميركيّاً، إذ إنّ عدد من ثبتت عليهم "جريمة الحرابة"، حسب نتائج "المحاكمات الشرعية" ومعايير القضاء السعودي، طبقاً لما ورد في بيان الوزارة، لم يتعدّ أربعة أشخاص، هم عادل محمد سالم عبدالله يماني، وعبدالعزيز رشيد بن حمدان الطويلعي، وعبدالله مسلم حميد الرهيف، ونمر سهاج زيد الكريزي. أما باقي المتهمين، فإن نصّ البيان يفيد بأنهم أنزلت بهم عقوبة الموت تعزيراً. وهذا الأخير يعني في الشريعة الإسلامية، تقدير العقوبة حسب اجتهاد القاضي الشرعي، وليس تطبيقاً للحدّ الشرعي.

فضلاً عن ذلك، فإن بيان الداخلية السعودية أورد مجموعة من التهم بين الجرائم الفعلية التي قاموا بها، من خطف، وقتل، وتسميم للمياه، وتفجيرات، وأهمل إيراد التهم المنسوبة إلى عدد ممّن تم إعدامهم والتي يُنظر إليها على أنها تدخل في خانة "حرية التعبير"، مثل "اعتناق منهج فكري يشتمل على عقائد الخوارج المخالف للكتاب والسنّة وإجماع سلف الأمة ونشره والترويج له بوسائل متنوعة". أضف إلى ذلك، تهمة "إيغال الصدور بالكذب والبهتان"، أو "جرم" "الخروج عن ولي الأمر"، و"الدعوة إلى استقلال العوامية"، و"جرائم نصب واحتيال نتج عنها جمع أموال بمبالغ ضخمة"، وغير ذلك من التهم التي لا يُعاقَب عليها عادةً بالإعدام.

لكن أكثر ما أثار تعليقات أميركية سياسية وحقوقية مندّدة بالخطوة السعودية، أنّ بيان الداخلية السعودية أجمل التهم الموجّهة إلى 47 شخصاً، وكأنّهم أعضاء في خلية إرهابيّة واحدة، في حين أنّ التهم فردية وتختلف من متّهم إلى آخر.

اقرأ أيضاً: ترقب في السعودية بعد إعدام 47 متهماً بينهم نمر النمر

تعليق: