الإصلاح بما هو صراع
ليبي يصوت في انتخاب لجنة كتابة الدستور (فبراير/2014/الأناضول)
لا يخرج الإصلاح، (بما هو ولاية الناس على مواردهم ومصائرهم، على النحو المنشئ لحياة كريمةٍ، يدركونها ويسعون إليها)، في مساره وتنظيمه وإدارته عن قوانين الصراع. تبدو المسألة في التحرير والاستقلال ومقاومة الاحتلال واضحة وحاسمة، ولذلك، يسهل بنسبة كبيرة، تجميع الأنصار والمؤيدين وبناء البرامج والأفكار وراء الهدف، وتتشكل القيادات والنخب على هذا الأساس، لكن المسألة في الإصلاح تبدو غير واضحة، أو غير مجمع عليها، فيتوه المسار، وتتعدد الطرق والجماعات والأفكار، بلا هدف واحد واضح، ويتصارع الإصلاحيون، ويضيعون جهدهم وطاقتهم، لأننا، وببساطة، لم نقدر على النظر إلى الإصلاح، باعتباره هدفاً واضحاً نعرفه، أو نحلم به، ونسير باتجاهه، كما التحرير أو الاستقلال!
النخب العربية المهيمنة تدرك، بوضوح ودقة، أن الإصلاح يعني ببساطةٍ زوالها أو خسارة كل ما لديها. ولذلك، تقاومه ببسالة، وتسلك في ذلك، ما يبدو أنه مغامرة لا تصدق. ولكن، من المؤكد لديها أنها مغامرة إن نجحت، سوف تحتفظ بمكاسبها وامتيازاتها، وإن لم تنجح فالنتيجة واحدة، قاومت الإصلاح أو لم تقاومه، ولكن الإصلاحيين لا يملكون الدافع والحماس والاستعداد للمغامرة لأجل الإصلاح. إنهم يسعون إلى حياة كريمةٍ، وليس لأجل الموت، فإذا كان ثمن الإصلاح مغامرات وتضحيات كبرى، فإن المسألة تبدو لا تستحق ذلك، وهكذا، فإن الإصلاح متردد، لكن مناهضته حاسمة وجسورة!
كيف يدير الإصلاحيون عملهم ومشروعهم بما هو صراع؟ في الصراع، هناك قوي وضعيف، قوي وأقوى، أقوياء، قوي وأقل قوة،.. وأن يحدد أطراف الصراع، ويفهموا بدقة قوتهم وضعفهم وقوة الخصم وضعفه، ليس عيباً ولا جبناً، أن يكون الإصلاحيون ضعفاء أو أقل قوة، لكن العيب أن لا يدركوا ضعفهم، ولا يقدروا أنفسهم حق قدرها، لأنه بغير هذا
الفهم، سيظل الصراع يعمل ضد الإصلاح والإصلاحيين، وتأتي نتائجه لصالح خصومهم، ولا يمكن تحسين مسار الصراع وشروطه، أو تحويلها إلى خدمة الإصلاح إلا بهذه المعرفة. لن تكون النتائج غالباً حاسمة، لكنها متفقة مع قوة الأطراف، وقدرتها على الاستثمار الصحيح الملائم لهذه القوة، والاستثمار في ضعف الخصم،.. ما قوة الإصلاحيين وما ضعفهم؟ وما قوة النخب المضادة للإصلاح، وما ضعفها؟
إن أسوأ ما يقع فيه الإصلاحيون إساءة تقديرهم قوتهم وضفعهم، أن يعتقدوا أنهم أقوياء وهم ضعفاء، أو العكس، ففي ذلك، ينفصلون عن الواقع، ولا يؤثرون في النخب المهيمنة والفاسدة في شيء، وسوف يكون الخصم مسروراً بالتأكيد، كلما بالغ الإصلاحيون بالاستعراض الأجوف والادعاء غير المغطى بالحقائق والفرص، .. وأسوأ من ذلك أن يستخدم الضعيف أدوات القوي، أو يقلده، ويقتبس أسلوبه وأفكاره وطريقته في العمل، أو يدخل معه في صراعٍ محسوم ابتداءً، وتبدو موازينه واضحة لصالح الخصم، .. تخيل أن يدخل رجل عادي في مباراة ملاكمة مع تايسون! أو مباراة في كرة القدم بين فريق من الهواة غير المدربين مع المنتخب البرازيلي! تخيل النتيجة ومجريات المباراة ورأي الجمهور ومشاعره، .. تخيل إذا كان الملاكم لا يعرف نتيجة المباراة، أو يعتقد أنه منتصر، ويظن أنه سحق تايسون،.. وكلما نظر إلى إصاباته أو ذكّره أحد بها، يقول بثقة وزهو، لا بد أن تايسون مصاب بأضعافها.
وفي الصراع الاجتماعي والسياسي، كما المعارك والحروب، هناك منتصر ومهزوم، كاسب وخاسر، .. ليس عيباً أن تكون خاسراً إلا إذا قصرت، أو كان يمكنك أن تفعل شيئاً، ولم تفعله، أو ألا تفعل شيئاً وفعلته، هذه ببساطة أسئلة المعركة، .. أن تعتقد أنك منتصر وأنت مهزوم عيب أكبر من الهزيمة نفسها، ويجعلك تواصل الخسائر، تخيل أن تعتقد البرازيل أنها فازت على ألمانيا، .. وتظل تتصرف، وتشارك معتقدة أنها تحقق انتصارات، أو أنها تحسب الأهداف الألمانية أهدافاً لها، وتفرح بها وتكبر لأجلها معتقدة أنها أهدافها وليست لألمانيا،...
وفي التاريخ الحديث للصراع، كان الإعلام سلاح الأقوياء، وليس الضعفاء. كان الإعلام خطاً أحمر، لا يسمح للمستضعفين بامتلاكه، أو المشاركة فيه، وكان المستضعفون يجلبون على أنفسهم خسائر، عندما يقتربون من الإعلام أكثر من الخسائر الناتجة عن ابتعادهم عن الإعلام.
ولكن، نحتاج، اليوم، للتفكير في قوانين الصراع الإعلامي، بعد قدرة المستضعفين على امتلاك الإعلام والمشاركة فيه، صحيح أنهم يملكون وسائل إعلامية متقدمة وفرصاً للمشاركة في المشهد الإعلامي، ولكن الأسئلة عن سلاح الأقوياء والضعفاء ما زالت قائمة، .. وما زال السؤال ماذا يجب فعله، وماذا يجب عدم فعله، المحرك الأساسي الحاكم للعمل الإعلامي. وفي الإجمال، مقياس النجاح والفشل هو ما يجب تغييره في المستهدف، وكيف يمكن دفعه إلى اعتقاد فكرة، أو التخلي عن فكرة؟ وفي ذلك، فإن الهدير الإعلامي ليس بالضرورة يعمل لصالح أصحابه،.. ولعله يفعل العكس!