الإسلام ومواجهة عدوّه الحقيقي

26 نوفمبر 2015
الصورة
+ الخط -
في سياق الأحداث الإجرامية البشعة التي ضربت بها داعش في فرنسا ولبنان ومصر (الطائرة الروسية) وأماكن أخرى، ومع تنامي عملية الربط بين داعش واللاجئين السوريين أو المهاجرين العرب والمسلمين في العالم الغربي، أتحدث، منذ أسابيع، في ندوات ومحاضرات عامة عن مأساة اللاجئين السوريين، وعن العنف والإرهاب باسم الإسلام. أجدني، مع مهاجرين سوريين كثيرين، منخرطين في هذا، بسبب التنامي الشديد، في الفترة الأخيرة، لوتيرة صوت إعلامي مدوٍ يعمل على شيطنة العرب، وخصوصاً اللاجئين السوريين، والنظر إليهم على أنهم احتمالات داعشية نائمة، يمكن أن تستفيق في أي وقت، وتسبب الكوارث. وطبعاً، تدافع مؤسسات وجهات وشخصيات إسلامية وعربية كثيرة، أخيراً، عن الإسلام، والتأكيد على براءته الكلية من داعش وأمثالها، وإدانته القطعية للإرهاب والقتل والعنف.
تلك النشاطات حميدة وضرورية، إلا أنها ليست الوسيلة الأولى، أو الأساس، المطلوبة للتعامل مع ظاهرة داعش ومثيلاتها اليوم. أعتقد أنَّ العالم الإسلامي يصرف جلَّ وقته حالياً في عملية الدفاع عن الذات، وتلميع الصورة واللهاث وراء الحصول على صك براءة من العالم الذي يتهمه، ويشكك به، ويعتبره مصدر خطر على العالم، وذلك كله انطلاقاً من "سوء فهم" يشكل خطراً أفدح برأيي من "الجهل". وأرى أنه لا ينبغي للعالم الإسلامي أن يصرف جلَّ وقته في إقناع العالم ببراءته، وعدم اعتباره داعش وأمثالها إسلاماً. على العالم الإسلامي أن يكون تفاعلياً وفاعلاً (proactive)، بدل أن يكون منفعلاً ومنخرطاً بردود أفعال (reactive). وهذا لا يتحقق إلا حين يدرك العالم الإسلامي أن داعش وأمثاله يسعى إلى أن يصير "إسلاماً بديلاً"، لا ليكون مجرد خط إسلامي مهمين ضمن خطوط أخرى، تشكل معاً ما ندعوه "الإسلام".
من يراقب داعش ويقرأ، بتمعن، منشوراته، يدرك أن الداعشيين لا يعتبرون أنفسهم تياراً إسلامياً من تيارات أخرى موجودة ضمن دائرة الإسلام الذي نعرفه. يقدّم الدواعش أنفسهم على أنهم "بديل" عن الإسلام؛ إسلام آخر (يقولون عنه إنه الإسلام "الحقيقي")؛ إسلام هدفه أن يمحي الإسلام الذي نعرفه من الوجود. يقدمون أنفسهم كياناً دينياً من خارج دائرة الدين الإسلامي كلياً. وإن كانوا يستخدمون مصادر دينية وخطابات عقائدية، يمكن أن نجد لها آثار أ
و منابع في الإرث الديني الإسلامي، فإن عملية الاستخدام تلك هي، في الواقع، استغلال لوسائط معرفية ومرجعية موجودة في حلقة الفكر الإسلامي الأساس، وتوظيفها، في عملية جذب وتجنيد أكبر عدد من أتباع الدين الإسلامي في دينهم البديل. سياستهم أن يفككوا الإسلام الأصيل من الداخل، ويقيموا إسلاماً بديلاً مؤلفاً من جمهور موجود أصلاً في ساحة الدين المذكور. عدو داعش وأمثاله الأول والأساس هو الإسلام نفسه، وبحد ذاته. ليس داعش فصيلاً إسلامياً، من بين فصائل أخرى تتناقش بين بعضها، ويسعى فيها داعش إلى الهيمنة والقيادة. داعش حالة من خارج دائرة الإسلام ويعتبره عدوه الأول، ويعمل لإزالته من الداخل، وبواسطة مكوناته نفسها.
حين يدرك العالم الإسلامي هذا، ويفهم طببيعة داعش وأمثاله، سيكتشف أن عليه ألًا يصرف وقته في تلميع الصورة، وتبرئة الذات أمام العالم غير الإسلامي، بل عليه أن يجند طاقاته العالمية كلها لمحاربة فاعلة وحقيقية لذاك الكيان الذي يعمل على الحلول مكانه، وتفتيته من الداخل. يستطيع العالم الإسلامي، حتماً، أن يقضي على الحالة التي تعتبر الإسلام عدوها الأول، وتسعى إلى الحلول مكانه، إذا ما قرّرت القوى ومراكز صناعة الأفكار والقرار الإسلامية أن تعلن الحرب العلنية والعامة ضد داعش وأمثاله، وأن تعامله على أنه عدوّ مباشر، هدفه الأول القضاء على الإسلام، قبل أي شيء آخر.
يحتاج العالم الإسلامي أن يركز جهوده على مخاطبة الشارع الإسلامي العالمي لتجييشه في حرب ضد داعش وأمثاله، بدل أن ينهمك في عملية الدفاع عن النفس أمام العالم غير الإسلامي. ولكن، من سيوضح الأمور للعالم غير الإسلامي، ويشرح له أنّ داعش وأمثاله هم أعداء الإسلام وليسوا منه، إن لم يفعل المسلمون ذلك؟ طالما أنَّ المسلمين هم من يقومون بهذا الدفاع، لن يقتنع العالم غير الإسلامي كلياً أو حقاً بما يقال له، لأن من يدافع عن الإسلام أمام العالم هم مسلمون. وحين يشهد شاهد من أهل البيت، لا يتم التعامل مع شهادته على أنها موضوعية (ولو كانت موضوعية وحيادية وصادقة). من الأجدى أن يوجه العالم الإسلامي كل جهوده لتحشيد المسلمين أنفسهم في حرب مفتوحة للحفاظ على الوجود ضد من يريد أن يزيل الإسلام من الوجود، ويخلق إسلامه. أما من سيتولى مسألة تبرئة الإسلام، وشرح اختلافه الجوهري والكامل عن نموذج داعش، وأمثاله، فيجب أن يكون طرفاً من خارج عالم الإسلام، ومن غير المسلمين. أؤمن أنَّ أفضل من يلعب هذا الدور هم أهل المشرق والعالم العربي غير المسلمين. المسيحيون المشرقيون والعرب هم الأقدر على لعب دور الجسر الواصل بين العالمين، الإسلامي وغير الإسلامي الغربي والعالمي. فهم يستطيعون أن يقدموا خطاباً توضيحياً وتبريئياً للإسلام أمام العالم غير الإسلامي، يتمتع بالمصداقية، ويحظى بالإصغاء، لأنه خطاب مبني على معرفة مباشرة، وعيش تاريخي ودراية عميقة. ما لم يتولَّ المشرقيون والعرب من غير المسلمين لعب هذا الدور أمام العالم غير الإسلامي، من جهة، وما لم يتولَّ المسلمون مخاطبة العالم الإسلامي، ولفت نظره إلى أن عدو داعش وأمثاله الأول والأساس هو الإسلام نفسه من جهة أخرى، لن تكون هناك حرب حقيقية ضد الإرهاب المذكور، ولن يكون هناك أمل في محوه من الوجود، إذا بقي المسلمون يهدرون طاقاتهم في الحلبة الخطأ، وفي المسألة الخطأ: إما الإنكار أو تبرير الذات، بدل أن يوجهوها إلى ساحة المعركة الفعلية، لن يساعد الإسلام على توجيه معركته، نحو عمل فاعل وليس منفعلاً، ونحو حلبة المواجهة الحقيقية واتجاه العدو الحقيقي. وما لم يبدأ أهل العالم الإسلامي يدركون هذا، لن يتمكن العالم من مساعدتهم على التخلص من كل محاولات الشيطنة المنظمة.