الإسلامي الذي قدّم "أولاد حارتنا"

09 ابريل 2019
الصورة

أحمد كمال أبو المجد.. رجل حوار لا مواجهة

+ الخط -
تتعدّد تسميات الكاتب المصري، الراحل قبل أيام عن 89 عاماً، أحمد كمال أبو المجد، فهو القاضي والمحامي وأستاذ القانون الدستوري والوزير الأسبق (الشباب، ثم الإعلام والثقافة، 1973 - 1975)، والناشط والإخواني القديم والإسلامي المستنير والوسطي، غير أن صفته مفكرا جرى خلعُها عليه تقديرا لمكانته، لا تثمينا لنتاجٍ فكريٍ له، في كتبٍ قليلةٍ أصدرها، لها قيمتُها في تضمنّها "أفكارا" متقدّمة، تدل على وعيٍ حاذق حازه الرجل عن الإسلام والحداثة وسيادة القانون وبناء الدول وتنظيم المجتمعات ومفاهيم الحق والعدالة والأمة. وبدا في هذا كله داعيةً أكثر من سمْته مفكرا. ولا يبخّس وصفُه هذا من أهمية أدوارٍ مشهودة أدّاها في الفضاء الثقافي والفكري في مصر، ولدى قرّائه العرب الكثيرين الذين غالبا ما كان يطلّ عليهم في مقالاته المحبّبة إلى النفس، في مجلة العربي التي أحسنت صنيعا لمّا انتقت من هذه المقالات عددا منها، وأصدرتها مجتمعةً في "كتاب العربي" في إبريل/ نيسان 1985. ودلّ العنوان الذي اختاره أبو المجد لكتابه "حوار لا مواجهة" على الأفق العام لمنظومة تفكيرِه منذ شبابه الأول، ربما منذ مغادرته تنظيم الإخوان المسلمين الذي انتسب إليه فترة قصيرة. وبعيدا عن التزيّد في عنوانٍ ثانٍ للكتاب "... دراسات حول الإسلام والعصر"، إذ لا يمكن حسبان تلك المقالات (الجيّدة حقا) دراساتٍ، بعيدا عن هذا، يمكن الزعم إن أبو المجد أقام عقودا على منطق الحوار، وناهض منطق المواجهة. ولذلك، ليس مستغربا أن علاء وجمال مبارك كانا في عزائه، وكذلك شخصياتٌ عديدةٌ معارضة لنظام والدهما (جورج إسحق مثلا)، وناسٌ من مختلف ألوان الولاء والخصومة لنظام عبد الفتاح السيسي، عدا عن أزهريين ومشايخ، وإسلاميين معارضين وموالين.
اتساقا مع طبائِعه هذه، الميّالة دائما إلى المحاورة والوسطية، كان نداء صاحب "رؤية إسلامية معاصرة" إلى المصريين: "توافقوا يرحمكم الله"، في غضون المنازعات التي لوّنت المزاج العام في صيف 2012، وذلك في مقالٍ له غير منسي. وفي أثناء رئاسة محمد مرسي، واظب على التنبيه إلى مخاطر إزاحة الرئيس، لما كان يراها من نذر شقاقٍ قد يحدث، بل وربما حربٍ أهليةٍ وانقسام مجتمعي لم يستبعدهما، غير أنه لما أطيح مرسي، لم يُبد أسفا كثيرا، ومال إلى تأييد ما وقع، ثم جنح إلى محاورة السلطة الجديدة، من دون اعتبارها انقلابيةً. وكما كان يلتقي مرسي، صار يلتقي الرئيس المؤقت عدلي منصور، وعمَد إلى محاولة التوسّط بين "الدولة" وجماعة الإخوان المسلمين، في ورقةٍ تسلّمها منه منصور، ثم وزير الدفاع في حينه، عبد الفتاح السيسي، تطلّعت إلى إعادة دمج الإسلاميين في الحكم، وإن احتاج الأمر إلى تأهيلهم لهذا الأمر.
ولأيٍّ منا أن ينتقد في أحمد كمال أبو المجد نقصان الجذرية لديه، ووضع إحدى رجليه عند الإسلاميين والأخرى عند النظام، الساداتي ثم المباركي ثم السيسي، غير أن هذا كله لا يجيز التهوين من أهمية خطاب السماحة والرسوليّة الذي طبع تفكيره وأداءه عموما، في أجواء متوترة وتضجّ بالاستقطاب وعلو لغة التخوين والنبذ والإقصاء، في مجتمعٍ تُصادر السلطة قنوات تعبيره الحر عن نفسه. ومن هذا المنظور، يحسُن إشهار إعجابٍ لازم بمبادرة الدكتور أبو المجد، وهو الإسلامي أولا وأخيرا، إلى كتابة مقدمة أول طبعةٍ مصريةٍ لرواية نجيب محفوظ "أولاد حارتنا"، وصدرت عن دار الشروق في العام 2006. والمعلوم أن الرواية مُنع صدورها في كتابٍ في مصر (نشرها محمد حسنين هيكل متسلسلة في "الأهرام" في 1959)، وأصدرتها دار الآداب البيروتية في طبعاتٍ بدأت في 1962. ويعود ذلك كله إلى اعتبار مشايخ ودعاةٍ أن محفوظ جسّد الذات الإلهية في واحدٍ من شخصيات الرواية، فرموه بالرّدة والكفر والزندقة والإلحاد.. لم يحفل أحمد كمال أبو المجد بتلك الافتراءات على الرواية وكاتبها الشهير، ورافع عنها في مقدّمته الأنيقة التي دلّت على نباهةٍ ومعرفةٍ بطبيعة كتابة الأدب، وانحازت إلى حرية التعبير، واحتفت بالمكانة التي توليها "أولاد حارتنا" للعلم والمعرفة...
لنتذكّر أحمد كمال أبو المجد داعيةً شجاعا إلى الحوار، وكاتب مقدمة روايةٍ مغضوبٍ عليها اسمُها "أولاد حارتنا".