الإسلاميون والدولة والانتقال السياسي في مصر

19 يونيو 2020
الصورة

مصليان في الجامع الأزهر في القاهرة (17/5/2020/ فرانس برس)

على الرغم من أن دراما المسلسل التلفزيوني "الاختيار"، والذي عرض في موسم رمضان الماضي، كشفت عن قبول واسع للتجاوب مع التحدّيات التي تواجه الدولة المصرية لدى الشبكات الاجتماعية التقليدية والوعي الجمعي، فإنها تثير الجدل بشأن طبيعة مسارات العلاقات بين الحركات السياسية والبيروقراطية، ومدى ارتباطها بظاهرة تعثر الانتقال السياسي. وهنا، تبدو أهمية الرجوع إلى المراحل التأسيسية في القرن العشرين، لفهم السياقات السياسية والعوامل الكامنة وراء حلقة الاستبعاد، ويركز التناول على مدى الاستجابة لفرص التغيير ودور الديناميات الداخلية في تصحيح المدركات السياسية والمواقف الأيديولوجية.
البدايات الحديثة
منذ صدور دستور 1923، كان هناك اتجاه عام للانتقال السلمي من حقبة الاستعمار، وعلى الرغم من إعلان سقوط الدولة العثمانية والاهتزاز الدستوري في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، لم تظهر حوادث العنف السياسي، وقد تركزت هذه الممارسات، بسبب اتساع الجدل الثقافي، على مشروع الدولة الوطنية وقضايا التحرّر والاستقلال، وهو ما شكل حاضنة لتنوع الأحزاب السياسية، لكنه لم يرتق لتوطيد نظام حزبي، بسبب اختلاف نشأتها وتضارب ولائها السياسي، ما ساهم في إجهاض التعدّدية السياسية عقودا مقبلة.
وقد شكلت الحقب التالية ملامح مغايرة في ترتيب العلاقات بين الحركات الاجتماعية والبيروقراطية، وهي تتعلق بتداخل العلاقة بين الحركات السياسية والاجتماعية وثورة يوليو وحركة الضباط، حيث تتواتر الروايات حول التضامن في إطاحة الملك فاروق الأول، وأيضاً في حل الأحزاب، 16 يناير/ كانون الثاني 1953، حتى وقوع الصدام مع مجلس قيادة الثورة وعدم قدرة الكيانات الحزبية والاجتماعية على مجابهة البيروقراطية، وقد أسست هذه المرحلة للعلاقات السياسية والاجتماعية على مدى السنوات اللاحقة.
الأفكار المطلقة
وبينما تم احتواء التيارات اليسارية ضمن المشروع القومي، وفي سياق متزامن، ظهرت حزم من التوجهات الحادّة حول حتمية الحل الاشتراكي، كما أنه مع شدة الأزمة بين الدولة والإخوان 
المسلمين، ظهرت الأفكار المطلقة المثالية للحل الإسلامي، وهي تقوم على مفارقة المجتمع الجاهلي وحاكمية الشريعة بدون الاعتبار لمستويات التشريع، وذلك على أن تضطلع بها حركة عضوية لمكافحة الجاهلية، وبالتالي، أستندت أفكار سيد قطب على فكرة التنظيم الطليعي محرّكا للتغيير. وفي سنوات لاحقة، تبارى إسلاميون في صياغة مصطلح الجاهلية والجهاد لإقامة الدولة الإسلامية، ما شكل ثغرة لظهور أفكار التكفير والجهاد وأولوية الخروج تأسيساً على ردّة الحاكم، من دون الإلمام المعرفي الكافي أو مراعاة تغير الظروف، ما جعلها تطلعاتٍ إنفعالية لتأطير حركة الجهاد (1966)، لتفسح الطريق أمام ظهور شبكات الخروج على السلطة، وتكفير أعيانها ومؤسساتها.
وقد ارتبطت فكرة الإسلامية لدى الحركيين بتجنب التمييز ما بين مسائل العقيدة وما يقع ضمن المصالح المرسلة، ويندرج في هذا الجدل حول حتمية الخلافة والدولة الإسلامية والتردّد في قبول مفهوم الإرادة الشعبية أو إنكاره تحت فهم معين للحاكمية، ورفض الإجتهادات الأخرى. ولعل الحيرة هنا تتجلى في معالجة النقص المعرفي بتأويلاتٍ سهلة لفكرة الخروج، تقوم على تقسيمات المجاهدين والكفار، وهو نوعٌ من خيارات حدّية لا تراعي مستويات الحاكمية، أو فهم الظواهر الاجتماعية وتعقيداتها.
وعلى مدى تلك الفترة، حفلت الحركة الإسلامية بتحوّلات كثيرة، كان أكثرها جدلاً ما يتعلق بالنزعة العنفية المبنية على التحشيد العاطفي المستند لتبريرات تأويلية بسيطة لمحاربة الطواغيت والكفار. وهنا، يمكن النظر لظهور الحركات العنفية، ثم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، محاولة لتعويض إخفاق الإخوان المسلمين في الاقتراب من مرحلة الحكومة الإسلامية، لكنه في حقيقته يعد بمثابة ذريعة لامتصاص حالة السخط لدى الإسلاميين من نتائج الحراك السياسي في العام 2011، وتصريف طاقاتهم في مسارات غير واعية بالمآلات والنتائج.
وبعد مرحلةٍ من تتابع المجموعات العنفية على أساس نسخ تأويلات ظاهرية جزئية، أجرت الجماعة الإسلامية تقييماً لمسارها السياسي، فيما تبنّت الحركات الأخرى موقفاً رفضياً. وهنا، يمكن النظر إلى تجربة مراجعات الجماعة الإسلامية واحدةً من محاولات إعادة الانضباط للمشروع الحركي، بعد تجربةٍ مريرةٍ من العنف، وهي حالة تكتسب أهميتها من الجرأة على تغيير استراتيجيتها بعد انحسار الجدوى منها، ويمكن تقييم نتائج هذه التجربة، ليس بمدى فاعلية الجماعة أو حزب البناء والتنمية في المجال السياسي، ولكن بمصداقيتها في إجراء التحول الفكري.
تطور البيروقراطية
وفيما تجذّرت البيروقراطية عبر تاريخ الدولة المصرية، اتسم الحراك الاجتماعي بالانقطاع فترات مختلفة، وبشكل ساهم في استحواذ سلطات الدولة على ميزاتٍ نسبية في مواجهة المجتمع، ليس 
فقط بالتوسع في فرض الضرائب وتقرير القوانين التنظيمية على مدى الحقب التاريخية، لكنها عملت على توطيد شبكاتها الاجتماعية، وقد شكّلت سياسة إعاة تنظيم ملكية الأراضي وتأميم راس المال المنطلق الأساسي للهيمنة على قدرات المجتمع، وذلك بجانب إصدار قوانين تتيح الرقابة التنفيذية على النشاط الأهلي.
ومن الناحية التنظيمية، تبنى الرئيس جمال عبد الناصر توجهاً إلى الدمج الإكراهي لكل التيارات السياسية داخل التنظيم القومي، ولم يسمح بالخروج عليه على مدى فترة حكمه، على الرغم من انكسارات مشروع القومية العربية، وخصوصاً بعد هزيمة 1967، حيث ظلت السجون تمثل السياسة الأصيلة في احتواء المعارضين. وهنا، يمكن القول إن تحولات العنف في نهاية الستينيات ارتبطت بنتائج مسارين، عدم قدرة التيارات السياسية على إنتاج صيغ وأفكار تفاوضية، واندماج كثير منها في التنظيم القومي، الاتحاد الاشتراكي العربي، وإن السلطة، أيضاً، ظلت جامدة على أسلوب واحد في كبح المعارضة. قد يكون ذلك امتداداً للصراع على السلطة في بداية الخمسينيات، لكن إغفال أي محاولةٍ لتسوية الخلاف السياسي أدّى إلى تداعيات سلبية على الجانبين.
ومع بداية عقد السبعينيات، اتجه الرئيس أنور السادات إلى امتصاص الاحتقان الاجتماعي وفتح الطريق أمام حركة الطلبة والتعدّدية الحزبية، لكنه، على خلفية معاهدة السلام، زاد التنافر بين التيارات الأيديولوجية والسلطة، ما أدى، في النهاية، إلى اغتياله. ووفق رواية السادات في خطاب سبتمبر/ أيلول 1981، ارتبط خلافه مع التنظميات السياسية برفض توجيه خيارات الدولة في السياسة الخارجية، وقدّم نقداً مباشراً لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى مجلة الدعوة، أغسطس/ آب 1981، قام في مجمله على مجموعة من المعطيات، جاء في مقدمتها، استعداؤهم العرب على مصر بسبب معاهدة السلام، وأيضاً الخلاف حول فصل الدين عن السياسة ما اعتبره "الإخوان" ذريعة لرفض تاسيس أحزاب بمرجعية إسلامية، على الرغم من أن قانون الأحزاب في 1977 وضع قيوداً عامة على إشهار الأحزاب، ولعل إشارة السادات إلى تصور "الإخوان" عن الحكم تمثل مصدر الخلاف الرئيسي والعداء للسلطة. وقد قرأ نصاً يتضمن تطلعهم إلى الانقلاب على أي حكومةٍ لا تطبق الشريعة، وأيضاً، اعتبارهم ثورة يوليو انقلاباً عسكرياً، ما يكشف عن حدّة التباعد بين الطرفين.
وفي ظل هذه الأجواء، رفض الإخوان المسلمون عرض السادات إشهارهم جمعية أهلية، بسبب الخلاف حول قرار الحل في 1954، بمعنى استمرارها على أساس قانون الجمعيات وفق دستور 1923، وذلك على الرغم من مشاركتهم في إسقاطه، فقد تواترت الكتابات على وجود علاقة بين حركة الإخوان وتنظيم الضباط الأحرار، وبالتالي، يعكس اعتبارهم ثورة يوليو انقلاباً بعد مرور 29 عاماً نوعاً من انفلات الذاكرة التاريخية وضعف انضباطها، وهو ما يحتمل أن ينسحب على رواياتٍ شفهيةٍ أخرى، كانت تستهدف تكوين تنظيم متضامن حولها.
البنى الاستبعادية
يرجع ظهور البنى الاستبعادية، في جزء كبير منه، إلى حالة الانطواء التنظيمي وانهيار القدرة 
على التجديد السياسي، ما ساهم ببقائها في أزمةٍ داخليةٍ ممتدة وصدامية مع الدولة، فقد صارت التنظيمات وعاءً لتخزين عضويتها واستهلاك الطاقة البشرية لخدمة الأنشطة الحركية، بحيث تشكلت ظاهرة الرموز الفكرية، بمختلف التيارات الفكرية، على قاعدة التحرّر من القيود الحركية، فقد بدأ تباعد الحركيين والعلماء مع ظهور الاختلاف في وقت مبكّر في خمسينيات القرن العشرين، ولاحقاً رد ممثلون تنظيميون من حركة الإخوان على كل من يوسف القرضاوي وطارق البشري وفهمي هويدي، بأنهم يفتقرون إلى قدر مناسب، يمكّنهم من إدراك الواقع السياسي، فيما كانوا يمجّدونهم في أوقات أخرى، بما أن أولوية البناء الفكري تنظوي على الدعاية التنظيمية والشرائح التدريبية.
وعلى المستوى التثقيفي، نادراً ما تشير برامج تكوين الحركيين الإسلاميين إلى آراء جمال الأفغاني، ومحمد عبده ورشيد رضا، وقد راكمت هذه السياسة حالةً من الاعتداد بالكيان الجديد الناشئ، وهيمنة ثقافة تنظيمية تمجّد البقاء في الجماعة كدورة حياة، وتلعب الطبيعة الشمولية دوراً أساسياً في ترسيخ الاندماج الداخلي، على خلفية تمثُل كل وظائف الإسلام، ولم يترك وظيفة أو مهمة للجماعات الأخرى، ويشكل هذا النمط الأرضية الملائمة للتعصب التنظيمي، والانقطاع عن الميراث الفكري للإصلاحيين الإسلاميين. وقد تضمن بعض المحتوى التثقيفي إشارات لاتهام الأفغاني وعبده بالانخراط في الحركة الماسونية بطريقةٍ أقرب إلى تجاهل الرموز وتأسيس أخرين على أنقاضهم، ولعل هذا النمط يقلل من أهمية تقديم "الإخوان" أنفسهم جماعة من المسلمين.
وعبر العقود الثلاثة الأخيرة، حدثت تغيرات عميقة، خلت فيها المناهج التثقيفية من كتب الغزالي والقرضاوي وآخرين، واعتمدت الحركة على تجميعات تلفيقية من كتبٍ مخلتفة، على غرار برامج التدريب ومطالعات التنمية البشرية. وفي هذا السياق، استبدلت شرح القرضاوي الأصول العشرين بمؤلف جمعة أمين، عضو الإرشاد، في الموضوع نفسه، ما كان فاتحة لهيمنة التنظيميين على إصدارات ومسودات، يندرج محورها التكويني حول التذكير الدائم بقيم التابع والمتبوع، عبر استصحابٍ سلبي لقيم الخضوع والابتلاء، وإطلاق وصف المتساقطين على المختلفين، والذي يعني، بمفهوم المخالفة، نوعاً من الاصطفاء والتميز القائمة على أفكار الاستعلاء والاصطفاء، الفرقة الناجية، وكان واضحاً ظهور أفكار مزاحمة للأزهر الشريف، وتضعه ضمن تصنيفٍ معاد للجهاد وخادم للسلطة.
فقدان التيار الرئيسي
تضعنا هذه المسارات أمام سؤال: لماذا دخلت الحركات الاجتماعية والأحزاب في صراع خسرت فيه كل فرصها السياسية؟ بداية تشكلت بذور الخلاف منذ بداية الأربعينيات، سارت الحركات السياسية في مساراتٍ متوازية، بشكل أثار مشكلات الهوية في تزامن مع مكافحة الاستعمار، بحيث لم يساعد على إنضاج المشروع الوطني والانحراف نحو معارك أرست ملامح التنافر السياسي، وشكل أرضية غير ملائمة للتغيير السلس بعد ثورة 1952، فقد استصحبت الأحزاب والحركات الاجتماعية ميراث مشكلاتها، ما أنعش حالةً من الاستقواء، أدّت إلى تدمير التجربة الحزبية والتعدّدية السياسية، وهي نتائج شاركت حركة الإخوان المسلمين والمجموعات الماركسية وحزب الوفد، ثم التطرّف العلماني، في صياغة مقدّماتها، غير أنها لم تتمكن من موازنة ثقل تنظيم الضباط الأحرار، ولم تستطع الحفاظ على مكتسبات التغيير في بنية السلطة، بل استكملت مشوار الصراع في وقتٍ كان يمكنها بدء مرحلة جديدة، وقد تكرّرت هذه الحالة مع انفتاح الدولة على الإخوان المسلمين في منتصف سبعينيات القرن الماضي ومع ثورة يناير، لكنها لم تتمكّن من توطيد وضعها ضمن النظام السياسي، وكانت تميل إلى اتخاذ مواقف تثير مخاوف اليبروقراطية والأحزاب السياسية.
وقد ظهرت مؤشرات عنف سياسي في 25 يناير/ كانون الثاني 2012، عندما اختلف اليسار 
وحركة 6 إبريل و"الإخوان" على تسيير هوية النشاط في ميدان التحرير وضبطها، واتجه كل منهم إلى التحشيد لإثبات جدارته بالهيمنة على الاتجاه العام لـ" الثورة"، وقد انتهت مناوشاتٌ بإعلاناتٍ مفكّكة عن احترام التنوع الثوري، مع إثارة شعارات التضامن الظاهري. وأتذكر أن مناقشات ذاك اليوم كانت تميل إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة من الاستبعاد على أساس الخلفية التنظيمية. وهنا، تمكن الإشارة إلى معلمين بارزين: الأول، أن انتهاء الانتخابات التشريعية جدّد النقاش عن أولوية المسارين؛ الدستور أم الانتخابات، فكانت حركات اليسار غير مطمئنةٍ لمسار التغيير، فيما يتبنى الإخوان المسلمون والسلفيون تثبيت المكاسب الانتخابية، باعتبارها مقدمة لنقل المناقشات لمؤسسات الدولة. وتمثل الثاني في عدم إدراك تلك الحركات أنها تعمل في هامش سياسي ضمن تركيبة الدولة القائمة، وأن استعدادها للذهاب إلى العنف الإقصائي يعمل على زيادة تهميشها.
وامتدادا لحالة الاستقطاب والخلاف حول المسار السياسي، استمر العنف المتبادل، بعيداً عن السلطة السياسية أو الدستورية (البرلمان ثم رئاسة الدولة)، وبلغت ذروته في الاحتجاجات أمام قصر الاتحادية في ديسمبر/ كانون الأول 2012 عندما دخلت الحركات الثورية وجماعة الإخوان في عراك أمام القصر الرئاسي، انتهى بزيادة تمكين الجماعة من تسيير رئاسة الجمهورية، والتباعد مع الأحزاب السياسية والجيش، وذلك على خلفية تطوّرات أخرى، لعل أهمها صدور الإعلان الدستوري في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني، والشروع في ترتيبات لوصول خيرت الشاطر إلى رئاسة الوزراء، محاولة للزحف ضد البيروقراطية، وهي أحداثٌ ساهمت في تعقيد الوضع السياسي، ورسمت صورة ذهنية بوجود تطلعات لا محدودة، وكانت النتيجة المهمة متمثلة في ظهور شبكات مناهضة لمواقف الإخوان المسلمين، تراصّت على قاعدة فقد الثقة وصعوبة التعايش السياسي.
وقد شكلت هذه الأرضية التهديد الرئيسي لدستور 2012 وأطاحت احتمالية تكوين عقد اجتماعي، بسبب استصحاب ميراث الخلافات الممتدة، والتي أدّت إلى انسحاب تيارات وكتل سياسية ودينية، وكاد الأزهر يكون ضمنها، لولا مساومات اللحظة الأخيرة، بما يفسّر سهولة إضاعة الفرص التاريخية، ويؤكّد أن استمرار تنافر الحركات الاجتماعية، بفقرها الفكري، وصراعها مع السلطة، يضع المجتمع أمام بدائل سلطوية، هي بذاتها تمثل قيداً على الانتقال السياسي.