الإسلاميون بين التقليد والتثوير

27 مايو 2014   |  آخر تحديث: 04:16 (توقيت القدس)

مرشد "الإخوان" في إحدى جلسات محاكمته (مايو 2014 Getty)

+ الخط -
لم يكن سؤال الدين حاضراً، حين قامت ثورات "الربيع العربي". ولم تكن الجماعات والأحزاب الإسلامية المحرّك الأساسي لهذه الثورات، بقدر ما كانت إحدى القوى المستفيدة من سقوط أنظمة الفساد والاستبداد. بيد أن الصراع على الدين كان محدداً أساسياً فى ديناميات التحول السياسي التي رافقت محاولة تشكيل الأنظمة السياسية الجديدة في المنطقة، طوال الأعوام الثلاثة الماضية.
ومن المفارقات أن يصبح الدين، بالمعني الحركي والسياسي، بمثابة أحد العوامل التي ساهمت، بشكل أو بآخر، في تراجع الحركات الإسلامية وسقوطها. وكان استحضار الإيديولوجية الدينية، بشكلها الكلاسيكي الأرثوذكسي، بمثابة عنصر خصمٍ من رصيد الحركة الإسلامية، ليس فقط بسبب تديينها الخلافَ السياسي وأدلجته بشكل حادّ، ساهم فى نثر بذور الانقسام مع القوى الأخرى، وإنما أيضاً بسبب فشلها في تقديم نموذج للحكم، ناجح وفعال، وهو ما عكس خواءها الفكري وضعفها البرامجي، وقلة خبرتها في مسائل الحكم والإدارة. وكان واضحاً أنه كلما زاد تعثر الحركة الإسلامية في إدارة شؤون الحكم في بلد كبير ومعقد، مثل مصر، ازداد خطابها السياسي والديني جنوحاً باتجاه اليمينية والمحافظة، وهو ما عكس حالة الانكشاف الفكري والثقافي لممثلي التيار الإسلامي.
لم يكن الهدف الأساسي للحركات الإسلامية، في مرحلة ما بعد "الربيع العربي"، تدشين حلمها التاريخي بأسلمة المجتمعات العربية التي كان قد جرى، بالفعل، أسلمتها طقوسياً وشكلياً طوال العقد الماضي، نتيجة لعملية "السلفنة" التي كانت تجري، على قدم وساق، بدعم من الأنظمة القديمة، في إطار صراعها التقليدي مع جماعة "الإخوان المسلمين". فى حين كانت هذه الحركات مهمومةً بمحاولة تثبيت أقدامها في السياق السياسي الجديد، لضمان عدم عودة الأنظمة القمعية القديمة من جهة، وإعادة صياغة المجال العام، وقواعده، من جهة أخرى، بشكلٍ يناسب وزنهم السياسي والتنظيمي. لذا، على سبيل المثال، آثرت جماعة "الإخوان" في مصر أن تدخل فى تحالفات وتعاقدات مع قوي يمينية، من أجل ضمان الهيمنة على القواعد الاجتماعية المحافظة، مثل السلفيين، على حساب علاقتها بالقوى الثورية.

ويبدو أن الطابع المحافظ للحركات الإسلامية كان، ولا يزال، بمثابة العبء الأساسي فى عملية التكيف مع الأوضاع الجديدة. صحيح أن هذه الحركات هي بمثابة انعكاس لتيار مجتمعي، محافظ وتقليدي، يبدو مهيمناً على المجتمعات العربية، إلا أن افتقاد قيادات هذه الحركات للأفكار والبرامج الثورية التي يمكنها، أولاً، إحداث نقلة نوعية فى المجتمعات العربية، واستجابة لأشواقهم من قيام الثورة، وثانياً، احتواء القوى والتيارات الثورية، الشبابية خصوصاً، كان من أهم أسباب تراجعها.
وكان من المدهش أن تتمتع حركات وجماعات إسلامية، حديثة النشأة والعهد بالسياسة، بقدر من الثورية والجرأة السياسية، يفوق ما لدى الجماعات والحركات التقليدية، كالإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية والدعوة السلفية. فعلى سبيل المثال، تبنت حركة "حازمون" التي نشأت حول الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل خطابا ثورياً، وأجندة تهدف للتغيير الجذري من منظور سلفي، تهدف إلى إعادة هيكلة مؤسسات الدولة بشكل راديكالي، بعيداً عن منهج الإصلاح التدريجي الذي يتبناه "الإخوان". وأعادت الحركة هيكلة نفسها بعد سقوط محمد مرسي، ضمن حركة "أحرار" التي كانت تنشط، بين حين وآخر، طوال العام الماضي.
ولعل من اللافت أن جماعة الإخوان المسلمين لم تلتفت إلى هذا الخيار الثوري، إلا بعد خروجها من السلطة، حيث يشعر بعض أعضائها، الآن، بالندم من عدم كون الرئيس المعزول، محمد مرسي، بالثورية والقوة اللازمة لتطهير مؤسسات الدولة من النظام القديم الذي انقلب عليه أخيراً، وأعاد الجماعة إلى نقطة الصفر مجدداً.
كانت جماعة الإخوان، ولا تزال، بمثابة أكبر حركة اجتماعية محافظة في مصر، وهو ما يبدو بوضوح في خطابها وتكتيكاتها وتنظيمها المغلق. في حين تمثل الطبقتان الدنيا والوسطى العمود الفقري لشبكتها الاجتماعية التي تتركز فى محافظات الدلتا المصرية، وبعض مدن الصعيد الأكثر فقراً واحتياجاً. وعلى الرغم من ذلك، فإن ما يثير التساؤل هو انصراف قطاعاتٍ لا بأس بها من هاتين الطبقتين عن "الإخوان"، بعد وصولهم إلى السلطة، بل وتحول بعضهم إلى المعسكر المناهض للجماعة. وعلى سبيل المثال، فإن أحد الأسئلة المحيرة هو انقلاب بعض قطاعات الطبقات الفقيرة على جماعة الإخوان، على الرغم أنهم كانوا من أهم المستفيدين من شبكة رعايتهم الاجتماعية. وهو سؤال يتطلب من "الإخوان" إعادة النظر في علاقتها بالمجتمع، وفئاته المختلفة، من أجل الإجابة على هذه الأسئلة.
ربما سيكون من الصعب "تثوير" حركة كبيرة ومعقدة، مثل جماعة الإخوان المسلمين، وتغيير تركيبتها وعقليتها المحافظة، خصوصاً في ظل عمليات القمع والعنف التي تتعرض لها الجماعة. بيد أن ثمة حاجة ضرورية للإصلاح الفكري والتنظيمي الداخلي، حتى تتمكن الجماعة من الصمود أمام محاولات القمع والاستئصال. في حين يظل التحدي الرئيسي للإخوان أن يتم تثوير أفكارهم وأطروحاتهم، بعيداً عن خطر الانزلاق نحو العنف والتشدد. فالجماعة، وإن كانت تنبذ العنف بشكل إيديولوجي وسياسي، إلا أن عدم سيطرتها على قواعدها، فضلاً عن حالة القمع الشديدة قد يدفعان ببعضهم نحو مآلات أكثر انغلاقاً وتشدداً.
 
A6B2AD19-AA7A-4CE0-B76F-82674F4DCDE4
خليل العناني

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز الأميركية. عمل كبير باحثين في معهد الشرق الأوسط، وباحثاً في جامعة دورهام البريطانية، وباحثاً زائراً في معهد بروكينجز.من كتبه "الإخوان المسلمون في مصر ..شيخوخة تصارع الزمن".