الإرهاب ينقضّ على العواصم الأوروبية

الإرهاب ينقضّ على العواصم الأوروبية

26 مارس 2016
الصورة
+ الخط -
يبدو أن استراتيجية التنظيمات الإرهابية أصبحت متكاملة، فهي تحارب القوات الأوروبية في مسارح الجهاد الشرق أوسطية (أفغانستان، العراق، سورية) والمغاربية (ليبيا) والساحلية (مالي فضلاً عن عمليات متواصلة في بعض الدول، كما حال بوكو حرام في نيجيريا وأخرى متقطعة كالتي حدثت في كوت ديفوار أخيراً)، تضرب مصالحها الحيوية في هذه المناطق، كما تستهدفها مباشرة في عقر دارها، ناقلة بذلك الحرب إلى التراب الأوروبي. إنه زمن انقضاض الإرهاب على الدول الأوروبية، فمع هجمات، يوم الثلاثاء الماضي، في بلجيكا والتي استهدفت مطار بروكسل، وإحدى محطات الميترو، تكون بروكسل رابع عاصمة أوروبية تتعرّض لهجمات إرهابية بعد مدريد في مارس/ آذار 2004 ولندن في 2005 وباريس في 2015. وتعد هجمات باريس الأكثر دموية، لأنها أوقعت 130 قتيلاً و250 جريحاً. وليست تفجيرات بروكسل التي أودت بحياة 34 شخصاً، فضلاً عن عشرات الجرحى، مفاجئة، فكل الأجهزة الأمنية كانت تتوقع عملياتٍ جديدة في أوروبا، لكنها تجهل الأهداف والتوقيت. ونظراً لجحافل المقاتلين الأوروبيين العائدين من مسارح الجهاد المشرقي، والتفاعل والتنسيق بين الإرهاب المحلي والعابر للأوطان، فإن احتمالات وقوع تفجيراتٍ أخرى واردة وبقوة.
وقد تبنت داعش هذه الهجمات التي تمكّن عناصرها، أو الذين يدّعون الانتماء إليها، أو يحسبون عليها، هذه العمليات النوعية. وتأتي هذه الهجمات أياماً معدودة على اعتقال صلاح عبد السلام، المتهم الرئيسي في تفجيرات باريس. ما يعني أن الشبكة التي كانت وراءها قادرة على إلحاق الضرر بهذه القوة، وبهذه السرعة. لكن، من المستبعد أن تكون هجمات بروكسل رد فعل على اعتقاله عبد السلام، لأن من الصعب التخطيط لهذه العمليات النوعية وتنفيذها في ظرف قياسي. لكن، من المرجح طبعاً أن يكون اعتقاله قد عجّل تنفيذها.
مهما كان الأمر، فإن تنفيذ مجموعة إرهابية عملياتٍ نوعيةً، في وقت تعيش فيه فرنسا وبلجيكا
حالة استنفار قصوى منذ هجمات باريس، يؤكد قدرة التنظيمات الإرهابية على التحرك، وإلحاق الضرر، مهما كانت درجة تأهب الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. فبلجيكا تعيش منذ أسابيع حالة استنفار وتأهب أمنيين، بسبب مواصلة قوات الأمن بحثها عن عبد السلام وزملائه، ودخلت، أكثر من مرة، في اشتباكاتٍ معهم، قبل أن تتمكّن من القبض عليه، وقتل أحد مرافقيه، فيما فر اثنان. يُستنتج من هذا أن هذه التنظيمات تحافظ على قوتها الضاربة، وقدرتها على التحرّك، مهما كانت الإجراءات الأمنية. فهي تستند إلى خلايا نشطة، هي الأخرى في حالة استنفار، وأخرى نائمة، تُحرك وبسرعة عند الحاجة، كما أنها تستفيد من دعم لوجيستي واضح. وربما هنا مكمن الخلل في المقاربة الأمنية الحالية، لأنه لم تجد بعد الطريقة الأنسب لضرب القواعد اللوجيستية لهذه التنظيمات. لأنه لولا الدعم الذي يحظى بها هؤلاء الإرهابيون، لما تمكّنوا من تنفيذ مثل هذه العمليات النوعية في باريس وبروكسل. ومن المحتمل أن تكون الخلايا التي تتولى الدعم اللوجستي، قبل العمليات وبعدها، مختلفة عن المنفذة. وهذا ما تبين في مطاردة عبد السلام الذي استفاد من مساعدة أشخاصٍ لم يثبت تورطهم مباشرةً في تفجيرات باريس.
من الصعوبة بمكان تحديد عدو منتشر ومنصهر في المجتمع بهذا الشكل. وتواجه أجهزة الاستخبارات والأمن في أوروبا معضلةً في التعامل مع المجموعات الإرهابية المحلية، فبغض النظر عن الامتدادات العابرة للأوطان للإرهاب، ودور داعش في التفجيرات، فإن هذه الأخيرة خُطط لها ميدانياً، ونفذها إرهابيون محليون، خرجوا من رحم أوروبا. فهم ولدوا فيها وترعرعوا فيها، بصرف النظر عن دينهم الإسلامي. ومن ثم، فالإرهاب المحلي معضلة أمنية بالنسبة لأوروبا. وهو ليس بالضرورة من فعل شبابٍ مسلمٍ منحدرٍ من الهجرة. إذ تشير الإحصائيات الفرنسية إلى أن ثلث المتهمين بالعمليات الإرهابية في فرنسا من معتنقي الإسلام. وهذا ما يجعل كثيرين يقولون بوجود علاقة بين الإرهاب والإسلام. لكنه لا يمكن تحميل هذا الأخير توظيف التنظيمات الإرهابية للدين لتبرير سلوكاتهم وجرائمهم. كما يقول بعضهم في فرنسا بوجود علاقة طردية بين ازدواجية الجنسية والإرهاب، وهذا طبعاً خطاب هدفه الدفاع عن قانون إسقاط الجنسية الفرنسية عن مزدوجي الجنسية المتورطين في عمليات إرهابية. بيد أن الإحصائيات تشير إلى أنه من بين 15 شخصاً قاموا بعمليات إرهابية في فرنسا بين 2011 و2015، اثنان منهم فقط من مزدوجي الجنسية.
لماذا لم تحوّل حالة الاستنفار وإجراءات الأمن المتشددة من دون تنفيذ عملياتٍ جديدة؟ يستحيل تحييد المخاطر في مجال الإرهاب بشكل تام. فهي تبقى قائمةً ولو بنسبة محدودة، محافظة على قدرتها على إلحاق الضرر. فضلاً عن ذلك، فإن دينامية ظاهرة الإرهاب تجعلها مستعصية التحكّم. فأي شاب متطرفٍ قد يصبح، في وقتٍ ما، إرهابياً. صحيح أن كل متطرّف، باسم إيديولوجية إسلامية في هذه الحالة، ليس بالضرورة إرهابياً، لكن خطوط التماس بين التطرف الديني والعنف باسم بالدين ضئيلة، بل ومميعة بسبب طبيعة الأيديولوجية الجهادية القائمة على أولوية الممارسة على التنظير. ونظراً للعدد المعتبر من المتطرفين، من الصعب تقفي حركتهم ومراقبتهم بشكل مستمر، وإن كان بالإمكان رصد مؤشرات على الانتقال من التطرف إلى العنف، خصوصاً إذا كانت للعناصر المتطرفة المعنية سوابق عدلية. وتفيد التجربة بأن الجانب اللوجيستي (الحصول على الأسلحة والأموال والسيارات...) يكون دائماً أسهل للعناصر الإرهابية التي كانت و/أو لازالت لها علاقة بعالم الجريمة المنظمة. فمعظم الذين قاموا وتورّطوا في عملياتٍ إرهابيةٍ مجرمون سابقون. ومن ثم فهم يتحرّكون دائماً في الدائرة الإجرامية نفسها. لكن، هذه المرة بمرجعية إيديولوجية دينية، تحل الجريمة والقتل. ومن ثم، لا يمكن فصل محاربة الجريمة المنظمة عن محاربة الإرهاب.
وربما مشكلة السلطات السياسية في بعض الدول الأوروبية هو إطنابها ومبالغتها في خطابها عن رفع حالة الاستنفار والتأهب الأمنيين، بل والعمل بحالة الطوارئ، كما الحال في فرنسا منذ تفجيرات نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي. وبما أن هذا لا يمنع حدوث عملياتٍ جديدة، فإن رفع سقف الإجراءات الأمنية بهذا الشكل، ومرة واحدة يعنى أن هذا هو أقصى ما يمكن فعله لمواجهة التنظيمات الإرهابية، فهذه السلطات تتبنى قوانين وإجراءات أمنية تضيّق على الحريات الفردية، بدعوى محاربة الإرهاب، لكنها لم تمنع حدوث تفجيرات جديدة. نظراً لطبيعة الأعمال الإرهابية، يستحيل على الأجهزة الأمنية والإستخباراتية، مهما كانت قوتها، أن تضمن وقايةً تامةً من هذه الأعمال. فهي تجهض الكثير منها، لكن ليس كلها.
ونافل القول إن منظومة محاربة الإرهاب تحتاج مراجعة، ليس لأنها عاجزة تماماً أمام الظاهرة. ولكن، لتصحيح مواطن الخلل فيها، وتدعيم كفاءاتها وقدراتها وتحصينهما، خصوصاً الوقائية والاستباقية، ما يقتضي تزويدها بمزيد من الإمكانات، لاسيما البشرية ومراجعة جوانب قضائية، لكيفية عملها، فضلاً عن الشق التربوي البعيد المدى الذي يخص المنظومة التربوية والمجتمعية برمتها.