الإرهاب اللطيف

الإرهاب اللطيف

19 سبتمبر 2016
+ الخط -
بدأت موجة جديدة من الإرهاب في أوروبا، يمكن أن نسميها موجة الإرهاب اللطيف، والمقصود باللطيف هنا معنيان: الأول اعتماد التنظيمات المتطرّفة استراتيجيةً جديدة، تقوم على تكليف النساء بالقيام بالعمليات الإرهابية، لأن النساء أقل إثارة للشك من الرجال، وحركتهن أسهل، ووصولهن إلى الأماكن المستهدفة أيسر، والمعنى الثاني لكلمة لطيف، في هذه التسمية، أن نقص الخبرة لدى النساء المكلفات بالعمليات الإرهابية، وافتقارهن للشجاعة والتجربة، يجعلهن صيداً سهلا للأجهزة الأمنية، أي أن هذا الإرهاب لطيف، لأنه لا يكتمل، ولا يتسبب بموت أحد.
وقد شهدت فرنسا، خلال الأسبوع الماضي، واحدة من العمليات التي يمكن أن تكون نموذجاً كاملاً لهذا الخط الجديد من العمليات الإرهابية. تبدأ الحكاية من امرأةٍ فرنسيةٍ، تدعى أورنيلا جيليجمان، وتبلغ 29 عاما، وهي أم لثلاثة أطفال، وكانت قد بايعت تنظيم الدولة الإسلامية، ونَوَتِ السفرَ إلى سورية للالتحاق بالجهاديين هناك، لكنها غيرت خططها، وقرّرت القيام، مع صديقةٍ لها، بعملية في وسط باريس، ولم يُعرف إن كانت المحاولة اجتهاداً شخصياً منها أو تكليفاً من التنظيم، وقد ألقت الشرطة القبض عليها، ثم على صديقتها، إيناس مدني، البالغة 19 عاماً، ثم اعتقلت امرأتان أخريان في سياق التحقيق بالقضية نفسها. ووجهت النيابة العامة لهن تهمة الضلوع في محاولة تفجير سيارة مفخخة في وسط باريس، وأودعن السجن الاحتياطي.
وأفادت النيابة العامة بأن اسم أورنيلا جيليجمان مدرجٌ في قوائم المشتبه برغبتهم بالسفر إلى سورية للالتحاق بالجهاديين، وأنها اعتقلت، مع صديقها في جنوب فرنسا، يوم 6 سبتمبر/ أيلول الجاري، ووجهت إليها تهمتا "الاشتراك في مجموعة إجرامية، بغرض ارتكاب جرائم إرهابية"، و"محاولة قتل ضمن عصابة منظمة"، بعدما وجد المحققون بصماتها على سيارةٍ مهجورةٍ في وسط باريس وبداخلها قوارير غاز.
وكانت الشرطة الفرنسية قد تلقت اتصالا من موظفٍ في مقهى باريسي، قرب كاتدرائية نوتردام، يبلغ فيه عن وجود سيارة بيجو 607، لا تحمل لوحة تسجيل، مركونةٌ ومصابيح الخطر فيها مضاءة وبداخلها قارورة غاز. ولدى الكشف على السيارة، عثرت الشرطة بداخلها على قوارير غاز أخرى، وسيجارة مدخنة جزئياً، وغطاء قارورة عليه آثار محروقات. كما عثر المحققون على بصمات أورنيلا جيليجمان التي سرعان ما اعتقلت وأودعت السجن الاحترازي.
وخلال التحقيق، اعتقلت الشرطة ابنة مالك سيارة البيجو، وتدعى إيناس مدني (19 عاما)، وهي أيضا معروفة باعتناقها الفكر الجهادي. واعترفت أورنيلا جيليجمان، في التحقيق معها، بأنها ورفيقتها حاولتا إضرام النار في السيارة، لكن محاولتهن فشلت، وما لبثن أن "لذن بالفرار، بعدما رأين رجلاً اعتقدن أنه شرطي بلباس مدني"، بحسب ما أفاد مصدر مطلع على التحقيق، لكن مصدرا آخر قال إن الجهاديات فرّتا من المكان إثر مشادة اندلعت بينهما.
وبعد يومين من اعتقال أورنيلا جيليجمان، أوقفت الشرطة، في ضاحية باريس، إيناس مدني التي كانت قد أعلنت مبايعتها تنظيم الدولة الإسلامية، كما اعتقلت امرأتين أخريين تبلغان 23 و39 عاما.
وبحسب معلوماتٍ، جمعتها أجهزة الاستخبارات، فإن النسوة الثلاث أعددن خططا لشن هجوم ثان. واستعرضن قائمة أهدافٍ تشمل محطات قطارات في باريس وضاحيتها، إضافة إلى استهداف عناصر من الشرطة. كما أن النساء الثلاث أردن الحصول على أحزمةٍ ناسفةٍ أو اقتحام أبنية بواسطة سيارات، إلا أن الشرطة اعتقلتهن في اليوم نفسه الذي كن ينوين فيه تنفيذ هجومهن. ومن هنا، تشديد السلطات على أنها تمكنت من "إحباط اعتداء وشيك"، كانت الجهاديات تردن تنفيذه بوسائل "بدائية إلى حد بعيد".
كشف القبض على الفرنسيات الثلاث المشتبه بإعدادهن تفجيراً إرهابياً في باريس عن الدور الجديد للنساء في تنظيم داعش، "فالشابات الثلاث يمثلن أول كوماندوس نسائي"، كما كتبت صحيفة ليبراسيون، التي أضافت أن دور الملتحقات بداعش في سورية هو "الولادة وتعميم الأيديولوجية الظلامية، لكنه يمكن تكليفهن بالاعتداءات الإرهابية على الغرب". "في فرنسا، هناك متطرّفات على استعداد للتحرك من تلقاء أنفسهن أو بتوجيه من داعش". وقبل مقتله منذ أسابيع، كان الناطق باسم "داعش"، أبو محمد العدناني، قد أعلن عن حاجة تنظيم داعش إلى أخواتٍ مجاهداتٍ يقمن بأكثر من الدعم اللوجستي.

A78EE536-6120-47B0-B892-5D3084701D47
علا عباس

كاتبة وإعلامية سورية