الإرث الصعب لحكومة تونس المقبلة: التقشف وبيع مؤسسات عامة

07 أكتوبر 2019
الصورة
تأزم معيشة المواطنين عقبة تنتظر الإدارة الجديدة(فتحي بلعيد/فرانس برس)

 

ينتظر أن ترث الإدارة التونسية المقبلة، نصيبا مهما من الإصلاحات الاقتصادية التي لا يزال صندوق النقد الدولي يطالب بها، بعد أن أنجزت حكومة يوسف الشاهد جزءا مهما من الإجراءات المتعلقة بخفض دعم الطاقة وتقليص عجز الموازنة وتجميد التوظيف في القطاع العمومي.

ورغم القرارات التقشفية الكبيرة التي اتخذتها الحكومة الحالية، إلا أن السنوات الثلاث الماضية لم تكن كافية لفتح كل الملفات، ما يصعّب من مهمة الإدارة المقبلة في مواجهة إصلاحات لا تقل حساسية عن التي نُفذت سابقا.

ويعد إصلاح المؤسسات العامة واحدا من أبرز الملفات التي تنتظر حكومة ما بعد الانتخابات، بعد أن تجنّب الشاهد مرارا الخوض في هذه المسألة منعاً للاصطدام مع الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعتبر مؤسسات القطاع الحكومي خطا أحمر.

ويأتي ذلك على وقع الانتخابات البرلمانية التي أجريت أمس، والجولة الثانية من إعادة رئاسيات تونس المقررة في 13 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، واللتين ستنتج عنهما إدارة جديدة للدولة ستتولى جميع الملفت الاقتصادية.

وإزاء تواصل التعهدات التونسية مع صندوق النقد الدولي إلى حدود إبريل/نيسان المقبل، موعد صرف آخر قسط من قرض الصندوق الممد الذي تم التوقيع عليه عام 2016، ستكون الحكومة المنبثقة عن الانتخابات في مواجهة طلبات جديدة للمؤسسة المالية، ما يفرض تعديلات على النسخة الأولية من موازنة 2020.

ويقول خبراء اقتصاد إن تطوير وثيقة قرطاج 2 قد تفرض نفسها ما بعد الانتخابات، نظرا للتنوع الحزبي للبرلمان القادم وللتشكيل الحكومي الذي قد ينبثق عنه، وسط توقعات بأن تكون السياسات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة في شكل مبادرة جديدة (قرطاج 3) يقودها الرئيس المقبل للبلاد لتجنب الصعوبات التي اعترضت الحكومة السابقة في تنفيذ الإصلاحات وتمرير برنامجها الاقتصادي.


وكانت رئاسة الجمهورية عام 2017 جمعت المنظمات والأحزاب التونسية للنقاش حول وثيقة قرطاج 2، من أجل صياغة مشروع اقتصادي تلتزم الحكومة بتنفيذه بشكل يساعد على تجاوز الاقتصاد المحلي لصعوباته.

وبدأت تكتلات رجال الأعمال في تهيئة الأرضية للبرنامج الاقتصادي الجديد والإصلاحات التي ستنتج عنه، وأهمها تطوير المؤسسات، حيث يبحث القطاع الخاص عن موطئ قدم فيها في حال بيعها أو فتح رأس مالها في إطار شراكة بين القطاعين الحكومي والخاص.

وأفاد عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة رجال الأعمال) سليم غربال، في تصريحه لـ"العربي الجديد"، بأن منظمة الأعراف (غير حكومية) قامت بعمل استطلاع رأي لـ1600 عينة تفوق أعمارهم الـ18 سنة حول التفويت (بيع) في المؤسسات الحكومية أفضى إلى موافقة 51.8 بالمائة من العينة المستجوبة على بيع مؤسسات عمومية غير استراتيجية بطريقة شفافة، على أن يقع استغلال مواردها في صناديق التقاعد والحيطة الاجتماعية والتعليم والصحة وتخفيض مديونية البلاد.

ويعتبر غربال التفويت في مؤسسات القطاع الحكومي غير الاستراتيجية أمرا ضروريا لتنشيط الاقتصاد وتخليص الحكومة من عبء اجتماعي ومالي مثقل للمالية العمومية، إذ تراكمت على المؤسسات الحكومية خسائر كبيرة بلغت 6500 مليون دينار، أي نحو 2.2 مليار دولار، ما يجعل الدولة تتحمّل أعباء هذه الخسائر على حساب التنمية الداخلية وخلق فرص العمل وتحسين خدمات قطاعات، منها الصحة والتربية.

وفي عام 2015 تدخلت الحكومة، وضخت 800 مليون دينار (الدولار = نحو 3 دنانير) لإعادة رسملة البنوك، لكنها ما زالت تعاني عجزا، وكانت حكومة الشاهد تنوي بيع نسبة 10% في إحدى المؤسسات العمومية، غير أن اصطدامها برفض النقابات لمشروع التخصيص دفعها إلى ترحيل هذا الملف إلى حكومة ما بعد الانتخابات.


ولا ينكر القيادي النقابي سامي الطاهري، الوضع الصعب لعدد كبير من المؤسسات الحكومية، سواء الناشطة في القطاعات الثقيلة أو الخدماتية، غير أن المحافظة عليها واجب وطني ومسؤولية الدولة، حسب قوله. معتبرا أن خدمات المرفق العمومي تتكامل مع الخدمات الاجتماعية التي يتعين على الدولة توفيرها.

وقال الطاهري، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن الاتحاد متشبث بموقفه في التصدي للتفويت في الشركات الحكومية، لافتا إلى وجود مخطط ممنهج منذ سنوات لإنهاك هذه المؤسسات وتسهيل بيع حصص منها من دون أن يحدث ذلك صدمة للرأي العام. وأشار الطاهري إلى أن الاتحاد العام التونسي للشغل سيواصل الدعوة إلى إصلاح أوضاع المؤسسات الحكومية التي تشكو صعوبات، حسب كل حالة.

وتواجه تونس ضغوطا من المقرضين الدوليين، وفي مقدمتهم صندوق النقد الذي وافق، العام الماضي، على إقراض تونس 2.8 مليار دولار، مقابل حزمة إصلاحات في عديد من القطاعات.

غير أن المتحدث باسم صندوق النقد، جيري رايس، صرّح، الجمعة الماضية، بأن الزيارة المرتقبة لفريق من الصندوق إلى تونس من 8 إلى 11 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، روتينية لمناقشة الميزانية المقترحة من الحكومة، على غرار ما يحدث في مثل هذا الوقت من كل عام، وليست بعثة لمراجعة أداء الاقتصاد في ظل برنامج تسهيل الصندوق الممدد.

وقال إن الزيارة تندرج ضمن إعداد المراجعة السادسة من برنامج الإصلاح الاقتصادي بموجب اتفاق آلية التسهيل للقرض المتفق عليه، والذي يتواصل إلى غاية شهر إبريل/نيسان 2020.

وأضاف: "نحن مدعوون للقيام بالمراجعة السادسة التي تستوجب إتمام مشروع قانون المالية لسنة 2020 وإيداعه مجلس نواب الشعب في أجل أقصاه 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري".

وقال الوزير لدى رئيس الحكومة المكلف بالإصلاحات الكبرى، توفيق الراجحي، في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية "وات"، إن مشروع قانون المالية لسنة 2020 يجب أن يأخذ في الاعتبار الظرف الانتخابي الراهن الذي تمر به تونس.

وحسب الراجحي، فإن مشروع قانون المالية المقبل لن يتضمن زخما مهما من الإجراءات، مقارنة بقوانين المالية السابقة، من منطلق أنه سيتم انتخاب برلمان واقتراح حكومة جديدة.

واعتبر أن تونس تقدمت كثيرا في الإصلاحات الهيكلية الكبرى. مقترحا، في سياق متصل، أن يقوم رئيس الجمهورية المقبل بإعداد وثيقة جديدة (قرطاج 3) حول الإصلاحات الكبرى التي ستكون بمثابة الحزام السياسي للإصلاحات، من خلال توفير المناخ السياسي اللازم لتنفيذ الإصلاحات الكبرى.

وأكد أن مشروع القانون الجديد الخاص بالمؤسسات العمومية يرمي إلى إحداث تغيير شامل وجذري في تسيير المؤسسات العمومية وتكريس ثقافة جديدة في ميدان التسيير، بطريقة لا تختلف عن طريقة تسيير مؤسسات القطاع الخاص.

وفي المقابل، انتقد الخبير الاقتصادي، وليد بن صالح، توجهات مشروع الموازنة الجديدة وما تضمنته من زيادة في النفقات الجارية الموجهة لنفقات الأجور وسداد الدين الخارجي وخدمة الدين العمومي.

وقال، في تدوينة على صفحته الخاصة، إنه من المؤسف توجيه أكثر من 85 بالمائة من الموازنة نحو تمويل النفقات الجارية، لا سيما منها كتلة أجور تقدر بـ19 مليار دينار (تمثل 15 بالمائة من الناتج المحلي الخام) والمنح والتدخلات والتحويلات بما يقدر بـ8 مليارات دينار، وخدمة الدين العمومي بأكثر من 11 مليار دينار.

وتابع أن "ثلث الثروة الوطنية، التي يتم إنتاجها سنويا، من القطاع العمومي والخاص، يتم تبديدها في النفقات العمومية وغير المنتجة والاستهلاك الجاري وتسوية الديون السابقة".

وأضاف أن هذا التوزيع غير المتكافئ مرشح لأن يكون أهم، اعتبارا إلى أنّ النفقات الملتهمة للثروات تزيد (تبعا للترفيع في الأجور وارتفاع خدمة الدين والتضخم غير قابل للتحكم)، في حين أن الإنتاجية والنمو في سبات، معتبرا أن تونس تعيش أكثر من إمكانياتها، ما يعيق قدرة المؤسسات الاقتصادية على الصمود، حسب قوله.

وينتظر أن تبلغ قيمة موازنة تونس، وفقاً لميزانية السنة المقبلة، 47 مليار دينار، مقابل 40.8 مليار دينار للسنة الحالية، من بينها 6 مليارات دينار ستخصص للتنمية، و12 مليار دينار لخدمة الدين.