الإحصاء ممنوع في لبنان

22 أكتوبر 2018
الصورة
لبنانيون (جوزيف براك/ فرانس برس)

إحصاء السكان ممنوع عندنا في لبنان. سمعنا ونسمع رئيساً أو وزيراً أو زعيماً يطلق "تقديرات" لا نعلم مستنداتها عن عدد اللبنانيين. قالوا ويقولون إن في لبنان 4 ملايين نسمة "تقريباً"، ويكملون الملحق الدائم بأن عدد المغتربين والمتحدرين من أصل لبناني في الخارج أكثر من لبنانيي الداخل. وبهذا يصبح عدد اللبنانيين "تقريبا" أكثر من 8 ملايين شخص.

بمناسبة اليوم العالمي للإحصاء نسأل: لماذا لا تُجري الدولة اللبنانية تعداداً لسكانها؟ وهو أولوية وأساس بديهي لإرساء خطط الحاضر والمستقبل في أي مجال كان. لماذا لا تحصي عدد شبانها وأطفالها وكبار السن فيها وقواها العاملة، وتترك الأمر للتقديرات؟

على أي أساس تتحدث عن سياسات التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية والخدمات والتوظيف وتفعيل الضمان الصحي والاجتماعي وغيرها، دون معرفة أوضاع سكانها "فعلاً" وليس "تقديراً"؟

الإجابة بسيطة، فأي لبناني تلتقيه في أي حيّ أو زاروب أو شارع في لبنان يقول لك لو سألته: نحن اللبنانيين لا حاجة لنا بتعداد للسكان، لأننا حريصون أشد الحرص على "التوازن" الطائفي في بلدنا.

لا يجوز أن يكشف لنا التعداد الحجم الفعلي للطوائف كي لا تظهر حقيقة "الأكثرية" و"الأقلية". وهذا خطر حقيقي على السلم الأهلي، وربما يهدد بقلب معادلات الحصص والتقاسم، ويغيّر قواعد اللعبة السياسية برمتها.

أغلبية اللبنانيين لديهم هواجس من نوع ماذا لو تبين أن المسلمين هم الأكثر عدداً في لبنان؟ هل سيتيح لهم ذلك أن يطالبوا برئاسة الجمهورية "لا سمح الله"؟ وإذا تبين أن طوائف مسيحية تتعادل في تعدادها، هل يمكن للموارنة التخلي عن الرئاسة لصالح الأكثرية؟ وماذا لو أوجبت النتائج تغيير حصص المسلمين في الحكومة ومجلس النواب؟ وماذا سيكون واقع الأقليات لو تبين أنها لم تعد كذلك؟

تخشى أكثرية اللبنانيين من أن التعداد السكاني لو حصل قد ينسف اتفاق الطائف، ويزعزع ثبات الرئاسات الثلاث، عبوراً بتوزع الكتل النيابية في البرلمان، وصولاً إلى حصص السلك الدبلوماسي، والوظائف من أعلى مرتبة في الإدارات العامة وحتى وظيفة الحاجب عند مداخل الدوائر الرسمية.

ويظن اللبنانيون أن إحصاء السكان يسبب حرباً أهلية جديدة إذا حصل، لأن موازين القوى ستختل. أصبح "فزاعة" لتخويف الناس بعضها من بعض.

لا ينتبه اللبنانيون إلى أن السلطة تحوّل قضية التعداد إلى قضية سياسية، ولعبة أرقام محفوفة بالمخاطر، وتختصرها بـ" أكثر وأقل".




نحن لسنا مجرد جماعات أكثر أو طوائف أقل، نحن بشر لنا حقوق مهدورة، يغفلها ويتعامى عنها المسؤولون المتمسكون بعدم إجراء التعداد. تعدادنا يكشف واقعنا بدقة أكثر، ويساعدنا أكثر على المحاسبة والمطالبة، ولا شك أن تعداد السكان من مصلحة اللبنانيين وليس العكس.