الأيرلندي

30 ديسمبر 2019
بلا شك أن أي فيلم للمخرج الكبير "مارتين سكورسيزي"، هو عمل منتظر وبشغف شديد من قبل صناع السينما ومحبيها، ولهذا استُقبل فيلمه الأخير "الأيرلندي" بحفاوة بالغة. شاهدت الفيلم ولكن للأسف صعب أن أنضم لجموع المنبهرين به.

الفيلم مأخوذ من رواية "سمعت أنك تطلي المنازل" لكاتبها "تشارلز برانت"، والسيناريو كتابة "ستيفين زيليان"، صاحب الأعمال القوية مثل "عصابات نيويورك"، "كرة المال" ورشحت أعماله للعديد من جوائز الأوسكار التي فاز بها مرة واحدة عن فيلم "قائمة شاندلر".

شخصية فرانك شيران الأيرلندي (ويؤدي دوره روبرت دي نيرو)، الرجل الذي عَمِل في اتحاد العمال الأميركي، بالإضافة لدوره البارز داخل عالم الجريمة المنظمة، بقيادة راسل بافالينو (جو بيشي) ثم اقترابه من العمالي البارز في التاريخ الأميركي جيمي هوفا (آل باتشينو)، ويكشف من خلال الأحداث عن تطور علاقتهما وصولاً إلى النهاية.


الفيلم أنتجته وقامت بتوزيعه شبكة نتفليكس، بعد تعثر دام سنوات لعدم وجود منتج متحمس لميزانيته الضخمة بجانب عامل طول الفيلم نفسه لأكثر من ثلاث ساعات ونصف، و كان أول عرض بتاريخ 27 نوفمبر 2019، وحتى لا يحرم الفيلم من الترشح لجائزة الأوسكار، طبقاً لشروط الأكاديمية، تم عرض الفيلم فى عدد من دور السينما في الولايات المتحدة، محققاً 2,4 مليون دولار أميركي ثم تم رفعه مرة أخرى حتى يعرض بشكل حصري على شبكة Netflix.

من ناحية السرد، الفيلم به الكثير من ملامح فيلم "كازينو" فلا عجب لأن الفيلم للمخرج نفسه، وفيه من سلسلة "الأب الروحي" للمخرج ذي الأصول الإيطالية "فرانسيس فورد كوبولا"، عن عالم المافيا الإيطالية والمصالح المتشابكة بعالم السياسة الأمريكية في فترة الستينات من القرن الماضي، غير أن هذه المرة من خلال نقابات العمال، بجانب الإشارة بوضوح إلى دعم المافيا لكنيدي، لكنه تنكر لها وبدأ شقيقه "روبرت" التحقيق مع عدد من رجالها بل ومع "جيمي هوفا" الذي اتهم بالتلاعب في أموال الاتحاد، وكان يقرض المال من صندوق تقاعد أعضاء نقابة العمال للمافيا، مقابل مكاسب شخصية وتصفية خصومه.

الفيلم يصور عملية اغتيال كنيدي من وجهة نظر البطل، وإن شئنا الدقة فهي وجهة نظر المخرج، في الإشارة إلى ضلوع المافيا في قتل جون كنيدي، ودعم سكورسيزي الفيلم بالكثير من الأفلام الوثائقية لتلك الأحداث متضمنة عملية اغتيال كنيدي، وإدانة السياسة الأميركية وألاعيب رجالها القذرة في الوصول لكرسي الرئاسة.

الفيلم ليس به الكثير من الحبكة أو الإثارة، بقدر سرد وقائع تلك الفترة فيما يشبه التوثيق، من خلال حكي "فرانك شيران" الأيرلندي لقس كاثوليكي، وكيف التحق بالجيش الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية، وقتله للأسرى دون تردّد، ثم هجرته بعد الحرب إلى أميركا، ليعمل سائق شاحنة لنقل اللحوم لبعض المطاعم، قبل أن يتعرّف على راسل بافالينو (جون بيشي) أحد كبار زعماء المافيا ويصبح ذراعه اليمنى، وأداته للتخلص من خصومه. غير أنه وهو يقص على القس مشواره لا يشعر بأي ندم أو رغبة في طلب الغفران، فهو على قناعة بحتمية ما قام به، ولا يؤلمه سوى ابتعاد ابنته عنه بعدما عرفت بجرائمه، وشكها في ضلوعه بقتل "جيمي هوفا" الوحيد الذي أحبته من أصدقائه.

وحتى بعد موت كل من عرفهم وانقضاء أمرهم، وبعدما تقاعد في دار للمسنين وحيداً، يرفض الاستجابة لاثنين من الصحافيين كي يصرح بما يعرفه.

بالرجوع إلى موقع imbd، فقد علق عدد من المشاهدين على مجموعة من المعلومات التاريخية المغلوطة التي تضمنها الفيلم، عن أفراد عصابات المافيا بخصوص الأحكام التي وقعت على بعضهم، والسنة التي قُتل فيها البعض الآخر.

زمن الفيلم الذي تجاوز الثلاث ساعات مع الأسف فشل في جعلي ألتصق بالشاشة خشية أن أفتقد شيئاً يؤثر على سير الأحداث، وهناك مشاهد كان يمكن الاستغناء عنها بسهولة.

لا أدري سبب إصرار سكورسيزي على الاستعانة بـ "روبرت دي نيرو"، "آل باتشينو" و"جو بيشي" للعب مرحلة شبابية وقد تجاوزوا السبعين! "روبرت دي نيرو" الذي تألق على يده سابقاً، تلاه "ليونارودو دي كابريو"، هل عجز عن الدفع بممثلين آخرين ملائمين للمرحلة العمرية بدلاً من المكياج الفاضح؟

ملاحظة أخرى وجبت، وهي تعبيرات وجه "روبرت دي نيرو" حي بدت كما لو كان على وشك الضحك، بشكل شخصي أميل إلى محاولته تقديم سمت خاص بالشخصية، كالتي قدمها "مارلون براندو" في "الأب الروحي"، لكن للأسف لم يفلح لتكون الغلبة في صالح الأخير.

هل أراد "سكورسيزي" أن ينسب له بفيلم "الأيرلندي" أيقونة سينمائية كالتي أحدثها "الأب الروحي" بأجزائه الثلاثة؟ لا أعرف لأني سأفضل إعادة مشاهدة "كازينو"، "سائق التاكسي" وأعمال أخرى له على تكرار "الأيرلندي".