الأوكرانيّون يموتون حرقاً والمتفرّجون يكتبون

الأوكرانيّون يموتون حرقاً والمتفرّجون يكتبون

05 مايو 2014
الصورة
لضحايا حريق أوديسا (فرانس برس/getty)
+ الخط -

كثيرون يتحدثون عن وحل السياسة وعن نارها بدرجة أقل. وحل السياسة ونارها، لا يصنعان، على ما يبدو، الحياة. الشعب هنا يريد، والشعب هناك يريد أيضاً، وتتصادم الإرادتان وتفصل بينهما النار لا الكلمة. في أوديسا، محرقة حقيقية جرت أمام العدسات. أحداث أوكرانيا تنبئ بحرائق أكثر ممّا تتحمله درّة البحر الأسود وجاراتها، كما تنبئ بفرجة مديدة على مأساةٍ من نمط حريق دار النقابات في أوديسا، يوم الجمعة، حيث قُتل حوالى 40 من الموالين لروسيا، معظمهم حرقاً. متفرجون، ولكن متألمون، يكتبون ما رأوه على صفحات "الفيسبوك"، حيث تخاض الحروب الافتراضية أيضاً.

" كان ذلك منظراً فظيعاً"

يكتب بول لينيس، على صفحته في موقع "الفيسبوك"، إن "الوطنيين (الأوكرانيين) أعادوا تشكيل صفوفهم، ومضوا طوابير نحو منطقة كوليكوفويه بوليه، حيث أقام الانفصاليون (الموالون لروسيا) مخيمهم. عندما وصلتُ الى هناك، كانت النيران تعصف بالخيم. أما ساكنوها، فقد لجأوا الى دار النقابات واعتصموا فيها. من هناك، من نوافذ المبنى، بدأ الموالون لروسيا بإطلاق نار كثيف على الساحة التي كنا فيها. ولكنني في كوليكوفويه بوليه، رأيتُ مسدسات في أيدي أُناسٍ من حشودنا أيضاً".

ويروي بول أنه "سرعان ما أُضرمت النيران في دار النقابات بواسطة زجاجات مولوتوف الحارقة. وعندما اندلعت ألسنة اللهب، صعد الموالون لروسيا الى الطابق الرابع. عندئذ أصبح جليّاً أن النيران ستقضي عليهم ما لم تتخذ تدابير عاجلة للحيلولة دون ذلك".

ويوضح بول أنه "لم يكن ثمّة وجود لرجال الشرطة، كانوا واقفين هنا، ولم يحركوا ساكناً، أما بالنسبة لما جرى في كوليكوفويه بوليه، فقد تجاهلوه تماماً، حتى أنهم لم يحضروا الى المكان".

بعض المحاصرين فقدوا صبرهم، فراحوا يلقون بأنفسهم من الطابق الرابع الى الشارع مباشرة. كان ذلك منظراً فظيعاً، لأن أيّاً منهم لم ينهض عن الأرض. وأخيراً، وصلت سيارات الإطفاء، وكذلك أخذ رجال الشرطة بالاقتراب من المكان. رجال الاطفاء تصرفوا على نحو يثير الاشمئزاز. متقاعسون، بطيئو الحركة، بل إنهم اختاروا أقل المواقع خطراً، ما جعل الناس العاديين ينتزعون السلالم منهم ويستخدمونها في إنقاذ الانفصاليين.

الصورة من الداخل

في المقابل، كتب مكسيم موتين على صفحته في "الفيسبوك" أيضاً: "أنا في أوديسا. لا تصدقوا وسائل الإعلام الروسية، أنا أنقل الصورة كما رأيتها من الداخل. كانت هناك مباراة بكرة القدم بين فريق "تشرنوموريتس" من أوديسا و"ميتاليست" من خاركوف. المشجعون المتحمسون يؤيدون أوكرانيا كدولة واحدة، ولذلك اجتمعوا قبيل المباراة لتنظيم مسيرة سلمية تأييداً لـ"أوكرانيا الموحدة". وعندما انعطف المشجعون وبعض سكان المدينة نحو ساحة "سوبورنايا"، هاجمهم من زقاق مجاور أناس مقنّعون يحملون سلاسل وقضباناً حديدية وأسلحة نارية. وبعدما صدّ "الأوديسيون" الهجوم، أخذوا زمام المبادرة، وشنّوا هجوماً معاكساً، فأحرقوا جميع الخيم في "كوليكوفويه بوليه"، وانهالوا بالضرب المبرح على مَن فيها.

ما حدث لدار النقابات كان أمراً مريعاً. وقد يكون ذلك أكبر خطأ ترتكبه أوكرانيا. التعسف وتجاوز القانون أمر فظيع. لم يكن من الجائز السماح بحدوث ما حدث. احترق أناس وهم أحياء عددهم بالعشرات. حدثت فوضى رهيبة أثناء الحريق. السكان المحليون الحانقون لم يسمحوا للمحاصرين بالخروج من المبنى المشتعل. طبعا أنا أعرف أن هؤلاء المحاصرين كانوا قبل ثلاث ساعات يحاولون قتلهم... على أية حال، انا مصدوم، وعاجز عن الكلام.

على السلطات الأوكرانية أن تقوم بخطوة ما، فالبلد غارق في الفوضى، والسلاح في أيدي الجميع، في كل مكان هناك مجموعات الدفاع الذاتي، والتعسف، وتجاوز القانون، هذه وحشية بكل معنى الكلمة".

يا للعار

وكتب فلاديمير نيميروفسكي، محافظ أوديسا، في مدونته الشخصية: "كان بالإمكان تفادي وقوع الضحايا في أوديسا. كان يكفي ألا تساوم أجهزة الأمن على وطنها، وشرفها، بل أن تلتزم بقَسَمها للشعب الأوكراني. فلو أن رجال الشرطة أخذوا بأوامر قيادة المحافظة، ولم يمارسوا الدبلوماسية، لكان كل شيء اليوم على نحو آخر. ولكنهم، وكعادتهم دائماً، لم يفكروا بالبلد، وانما براحتهم الشخصية... فيا للعار".

المساهمون