الأنهار بين الحروب والمعاهدات

25 فبراير 2016
الصورة
مصر هبة النيل (Getty)
+ الخط -
قال هيرودوتس إن مصر هبة النيل. ولم يشهد العالم تحالفاً بين التاريخ والجغرافيا مثل الذي رآه على امتداد نهر النيل. ولكن، فرحنا ونحن صغار، حينما أبلغنا أن ما سبق ودرسناه عن نهر الميسيسبي أنه أطول نهر في العالم لم يكن صحيحاً، فالنيل، بفرعيه الأبيض والأزرق، هو الأطول. واعترانا شعور طاغٍ بالزهو أن نهراً عربياً هو الذي فاز بهذا السجل.
وكنا صغاراً، حين نقطع نهر "الشريعة"، أو "الأردن"، قبيل وصوله إلى البحر الميت، حيث يصب وتنتهي رحلته. فقد بدا النهر كبيراً نسبياً في الخمسينيات من القرن الماضي، فاصلاً بين فلسطين التاريخية وشرق الأردن، ومؤكداً وحدة الأردن بضم الضفة الغربية والضفة الشرقية في بلد واحد.
وكم سمعنا عن نهري دجلة والفرات، يقطعان فيافي تركيا، ويتعرّجان في مناطق مختلفة في العراق وسورية، حتى يجتمعا في شط العرب، حيث أشجار النخيل الباسقات ذوات الأكمام والمنتجات للبلح بكل أنواعه.
هذه الأنهار صنعت تاريخاً على شواطئها، ومنها نبعت أهم حضارات العالم المؤثرة فيه. وشكلت مصدر حياة ورفاه لمواطنيها، وأقيمت بلدان وإمبراطوريات على جوانبها. وشكلت في عطائها عبر التاريخ روح الشرق، وحضارته، وإمبراطورياته، وأفكاره وفلسفاته.
كل ذلك التطور عبر الزمن بات الآن مهدداً. وها هي الأنهار قد بدأت تنضب، والناس من حولها تتلاشى، ويضيع تنوعها وإسهامها، وتلك الآثار الشاهقة على جنباتها تهدم وتعدم على من لا يقتدرون بحركة التاريخ، ومن يعتقدون أن هدم الآثار هو هدم للوثنية، وليس هدماً للذاكرة والاستذكار، وتعميق ولاء الأجيال للديار العظيمة التي نبعوا منها.
تسعى مصر، بكل ما أوتيت من عزم وإصرار ووسائل إعلام، إلى أن تقنع إثيوبيا بالكف عن بناء سد بالقرب من منابع النيل الأزرق، خصوصاً بعدما اتفقت مع السودان على ذلك. وتصر الدولتان على أن بناء السد سيحول دون الفيضانات الكبيرة التي تحدث كل عام، حتى تغذي مسار النهر في طريقه من السودان إلى مصر. وينتج عن تلك الفيضانات دمار كبير للمزروعات والأراضي التي تقع فيهما، عند حدوث الفيضانات.
أما مصر فلها رأي آخر. فالنيل هو حياتها، ليس بسبب ما ينتجه من مزروعات ولكن، بسبب ما يقدمه لمصر من مياه للمنازل والصناعة، وما يوفره من مرافق خلابة سياحية، وطرق نقل نهرية، وما يثيره من شجونٍ يحيكها الشعراء قصائد، والمغنون أغنيات وأناشيد تشجو لها القلوب وتترقق بها الآذان.

ومن منا لم يسمع أغنية أم كلثوم "شمس الأصيل" دهّبت في صفحتك يا جميل"، أو أغنية عبد الوهاب من كلمات أحمد شوقي "النيل نجاشي حليوه أسمر، عجب لِ لونه دهب ومرمر ارغوله ف ايده يسبح لسيده... حياة بلادنا.. يا رب زيده". وهنالك بالطبع دول أخرى، مثل أوغندا وأفريقيا التي تريد حصتها من النيل الأبيض الذي كتب عنه الرحالة البريطاني الشهير، سير ريتشارد بيرتون. وما لم يتفق البلدان المشاطئة للنيل، وبخاصة إثيوبيا والسودان ومصر، على وضع اتفاق ملزم لهم جميعاً بضرورة الحفاظ على النهر، وإنقاذه من الضياع والاستخدام الجائر، فإن كل أنواع الحيوات التي نعرفها على شواطئه، من بشر وتماسيح وطيور وغزلان، قد تفنى.
ولهم في ذلك عبرة من نهر الدانوب الذي خلده يوهان شتراوس، الموسيقار النمساوي، في معزوفته "الدانوب الأزرق"، والتي تعتبر من أشهر "الفالسات" التي رقص على أنغامها ملايين الناس في مناسبات كثيرة. وقد تهدّد الدانوب بفعل ما يلقى فيه من قاذورات، ويسحب منه من مياه حتى كاد يموت، أو هو بالفعل مات. ولكن إنشاء هيئة من الدول المطلة عليه في ألمانيا والنمسا وهنغاريا قد أعاد له الحياة والجمال.
وأما نهر الأردن الذي يقطع بلاد الشام من جبل الشيخ في سورية، ومن البقاع، ثم من سفوح الجولان، ومرتفعات شمال الأردن، حيث تجتمع فروعه من الحاصباني إلى الليطاني فاليرموك فالزرقاء فسيول من مرتفعات الأردن، حيث يسير إلى بحر ملح أجاج في أخفض نقطة في العالم. وحيثما يسير، فهو رقراق يسقي على جانبيه الحقول والبساتين، وينبت الأرض إلى أن يمر عليها حتى تهتز وتربو. على ضفاف ذلك النهر، تعمّد السيد المسيح، وعلى أحد فروعه في اليرموك دارت معركة اليرموك الخالدة... وعلى ضفافه، مات القديسون والشهداء وقُبر الصحابة.

اقرأ أيضا: مفاوضات إثيوبيا ومصر.. 11/ صفر

هذا النهر الصغير المقدس تناوشته يد الاعتداء، وبات سيلاً صغيراً، وتآكل بسبب نقص الماء الفائض في البحر الميت، وانخفضت مياهه عن مستواها خلال الأربعين سنةٍ الماضية بأكثر من ثمانية عشر متراً. وبفعل سحب المياه من البحر الميت، لاستخراج أملاح البوتاس والباريوم والمغنيزيوم، فإن مستواه مهدد أكثر وأكثر.
ومن منا ينسى كيف عقدت قمة عربية من أجل نهر الأردن وفروعه، لوقف الأطماع الإسرائيلية فيه. وقد أدى تقسيم مياه من الدول العربية المطلة عليه إلى خلق الذرائع لحرب عام 1967، وما أدت إليه من آثار ما زالت معنا بكل أبعادها.

ولذلك، بُدئ بوضع خطط كبيرة ومكلفة لجرّ مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت، حتى يمنع مزيد من الانخفاض في مستوى مياهه. والعجيب أن بعض محطات الإعلان المصرية اعتقدت، عن سوء فهم، أن قناة البحرين التي تحولت إلى مشروع أنابيب سوف تؤدي إلى منافسة قناة السويس، وهو أمر من المضحكات والمبكيات.
أما نهرا دجلة والفرات اللذان شهدا حضارات السومريين والكلدانيين والحثيين والبابليين وعظمة سورية في الحقبِ المتلاحقة عليها، فقد صارا الآن مهدّدين بفعل السدود التي بنتها تركيا عليها، للاستفادة من مياهها، مهملة حقوق الدول الواقعة عند نهاية النهرين. وأي بغداد تلك التي ستكون إن تلاشت "أمواه دجلة"؟
يقال إن الحروب المقبلة حروب مياه في منطقتنا والعالم. وهنالك تراجع كبير في مياه الأنهار في معظم دول العالم، بفعل الزيادة الكبيرة في أعداد السكان، وسوف يمر العالم بظاهرتين جديدتين متناقضتين. الأولى أن التنافس الفتاك على المياه قد يؤدي إلى حروبٍ طاحنة، خصوصاً في منطقتنا، وأنه سوف يعزز في نفس الوقت ظاهرة المتاجرة بالمياه عبر الحدود.
قال سابقاً أسلافنا إن الناس شركاء في الماء، والكلأ، والنار. وبما أن الرعي والكلأ قد انتظما بين المربين والمزارعين، بعد قتال كبير في معظم دول العالم، فإن التنافس بات على أشده في موضوعي الطاقة والمياه.
والطاقة لم تعد مجانية وهبةً من الله، بل ما تزال سبباً للحروب ومحركاً لها. ولم يستطع العالم حتى الآن أن يجد وسيلة حضارية للتعامل مع ملف الطاقة، إلا اذا صارت مصادرها، وليس استخداماتها، خارج سيطرة الإنسان كالطاقة المتجددة. ولكن الطاقة، بأشكالها المختلفة، قد تحولت إلى سلعة تجارة دولية.
والماء المعبأ بالزجاجات، والمحوّل إلى عصائر، هو سلعة تجارية مباشرة. وقد بدأنا نرى الدول تتبادل المياه عبر الحدود، لأن هذا هو الأسلوب الأجدى اقتصادياً، فبيع المياه إلى منطقة بعيدة في بلدٍ ما لا يصل إليها الماء مربح، إذا كانت الدولة المشترية مضطرة لجر المياه داخل حدودها مسافات طويلة. وقد طور الاقتصادي فرانك فيشر، في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة، أنموذجاً أثبت فيه صحة تلك النظرية.
الأنهار التي شكلت مصدر الحياة تتحول، إن لم نتدارك الأمر بالتعاون، إلى حروب طاحنة بين الدول المتنافسة عليها.


اقرأ أيضا: سد النهضة يفاقم نقص الغذاء والكهرباء بمصر

المساهمون