الأميركي النبيل

الأميركي النبيل

22 اغسطس 2014

جيمس فولي

+ الخط -

لم يرتجف، ولا تهدّج صوته، أو تلعثم. كانت المُدية على بعد ذراع من عينيه، أو أقل، وكان يعرف أنها، بعد قليل، ستحزّ عنقه، وتفصل رأسه عن جسده، لكنه واجه موته بشجاعةٍ نادرة، ووجه، في اللحظات الأخيرة من حياته، خطاباً قويّاً متماسكاً إلى حكام بلاده، وإلى ذويه، قال فيه كثيراً من السياسة، وقليلاً من العاطفة.
أتحدث، هنا، عن أميركي (نعم أميركي)، يُدعى جيمس فولي، لا عن أحد فرسان المسلمين الأوائل. هو ليس جنرالاً جاء إلى بلاد العرب غازياً، ولا جندياً في قوات مشاة البحرية "المارينز"، أو حتى مقاتلاً مرتزقاً يعمل لمصلحة شركة "بلاك ووتر" سيئة الصيت، بل صحافي، اختار أن يأتي إلى سورية، على ما قالت والدته الثكلى، والشجاعة كذلك، كي يكشف عن معاناة شعبها من الظلم والاضطهاد والموت، فكان أن تعرض للاختطاف، ولقي حتفه، على يد مجموعة غادرة.
قد نختلف، أو نتفق، مع ما قاله فولي، في اللحظات الأخيرة من حياته، وقد يكون بيننا، للأسف، من يؤيد قتله، عقاباً لأميركا، على ما ترتكب من جرائم في حق شعوب هذه المنطقة، مثلما قد يكون بيننا، في الوقت نفسه، وللأسف أيضاً، من يقف مع إدارة الرئيس باراك أوباما، ضد ما تسميه قوى الإرهاب، في العراق وأفغانستان، كما في فلسطين، دونما تمييز.
لكن المساحة بين الموقفين المتطرفين تتسع لموقف ثالث، أو أكثر، يضع إنسانيتنا، عرباً ومسلمين، على رأس اعتباراته، من دون أن يغفل طبعاً، عن مصالحنا السياسية الوطنية والقومية والدينية.
فالأميركي الذبيح، وبقدر ما بدا في الصورة، نبيلاً وشجاعاً، بدا المسلم الذي ذبحه نذلاً وجباناً. كان الأول يجثو مكرهاً، على ركبتيه، استعداداً لذبحه، فتتطاول قامته، بما قال من كلامٍ أخير، لتعلو على قامة الثاني الواقف على قدميه، ويتحدث إنجليزية طليقة، تشير إلى أنه عاش، ربما، بين أهل الغرب، حيناً من الزمن، فتعلم منهم، وأكل من خبزهم، ثم غدر بالأبرياء من أبنائهم.
أهذه هي الصورة-الرسالة التي أراد "تنظيم الدولة الإسلامية"، المعروف باسم داعش، تبليغها للعالم، مع سبق الإصرار، أم هو منهج الذبح، وقد أعمى بصره وبصيرته، بعدما أوغل في دم العرب المسلمين والمسيحيين والأزيديين، من أجل فرض بيعةٍ بالإكراه لخلافة كاريكاتورية، وخليفة مجهول.
في الجواب، لا بد من تنحية الجدل الفقهي بشأن مشروعية قتل الأسرى، لأن فولي، وببساطة، لم يكن أسيراً، قبض مقاتلو "داعش" عليه في ساحات القتال، ولأن في وسع أية مجموعة رجال، أو حتى ثلة أولاد مراهقين، أن تفعل، وببساطة، مثل الذي فعلوا، فتختطف شخصاً أعزل، وتقتاده إلى برية خالية، لتذبحه بسكين، ثم تنشر، على صفحات الإنترنت، صورته ورأسه فوق صدره.
ليست تلك بطولة، ولا فروسية، بل هي جريمة نكراء موصوفة، يعجز أي إنسان (أقول إنسان) عن تبريرها، فضلاً عن أنها تقدمنا إلى العالم، في صورة مجرمين وقطاع طرق، تغطي فظاعتها صورة الكفاح الذي يخوضه ملايين آخرون، من أجل التحرير والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، في فلسطين وسورية والعراق ومصر، وأصقاع عدة من بلاد العرب.
ثم إن فعلة كهذه، حتى لو جاءت تحت شعارات التصدّي لأوباما، إنما هي تخدمه، لأنها تغذّي مشاعر الكراهية ورغبات الانتقام في نفوس الأميركيين، وتوفر لأوباما مزيداً من الذرائع، ليواصل السياسة التي يزعم قاطعو الروس بأنهم يتصدون لها.
وفي النتيجة، يجد العالم نفسه، الآن، أمام صورتين، واحدة غامضة، وبالأسود والأبيض، تلتقطها الطائرات الأميركية، للأهداف التي تغير عليها، من دون أن تُظهر الضحايا، وأخرى واضحة وملونة وذات تقنية عالية، يذبح فيها "البرابرة الجدد" شاباً بريئاً كان يتعاطف مع قضاياهم.
أكثر من ذلك، يجد الغرب نفسه أمام فرصة ذهبية، كي يؤيد إسرائيل في حربها على المقاومة الفلسطينية، ويغض النظر أكثر فأكثر عن جرائم نظام الحكم السوري ضد معارضيه، وهكذا دواليك، في العراق واليمن ومصر، طالما أن الإرهاب ذريعة لا تكف "داعش" وأضرابها من منظمات الموت، عن توفيرها، كلما ظهرت حاجة أميركا أو إسرائيل إليها.