الأممية الشعبوية‮ بلينين‮ ‬أميركي‮

27 أكتوبر 2018
الصورة
+ الخط -
تموت البروليتاريا من دون أن تحقق حلمها الكبير في‮ ‬بناء الأممية العمالية،‮ ‬على الرغم من أربع محاولات كبيرة‮.‬ ويموت‮ ‬إيليتش أوليانوف لينين،‮ ‬زعيم الثورة البلشفية ومنظر الأمميات البروليتارية،‮ ‬شرقا. ثم تَبْعث البروليتاريا الأميركية‮ ‬من صلب عامل طبقي،‮ ‬من‮ ‬يحيي‮ ‬الحلم الأممي، ولكن هذه المرة تحت شعار كبير، هو شعار الأممية الشعبوية،‮ ‬غربا‮.‬
الوجه الأممي‮ ‬الجديد‮ يدعى‮ ‬ستيف بانون‮،‮ و‬الذي‮ ‬كان وراء الاستراتيجية الانتخابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب،‮ ‬وفوزه من بعد‮،‮ ‬وهو نفسه‮ ‬الذي‮ ‬جادت به الأصقاع التحتية للطبقة العاملة، لكي‮ ‬يعيد‮ لهذه الطبقات حلمها الكوني‮ ‬في‮ ‬التماهي‮ ‬مع شعار واحد‮.‬ ‬جاب أوروبا،‮ ‬كما كان‮ ‬يفعل الثوريون الحمر عبر التاريخ المعاصر للقرنين العشرين والتاسع عشر،‮ وهو ‬يعتبر توحيد الأمم‮ ‬الوديعة،‮ ‬والعاملة، ‬تحت راية الشعبوية‮، مسألة شخصية، أو بالتحديد معركته كابن عامل‮ بروليتاري،‮ ‬تعطل عن زمنه بأزيد من ثورة‮.
يتحدّث ستيف بانون، في مقابلة مع صحيفة ‬لو فيغارو‮ ‬الفرنسية‮، عن جذوره البروليتارية والنزعات الشعوبية، كما‮ ‬يتمثلها في‮ ‬الحلم‮ المشاعي‮ ‬الجديد،‮ ‬ويقول "سبب هذه المعركة بسيط، ‬أن أسرتي‮ ‬أسرة‮ ‬عمال‮ ‬أميركيين بسطاء. وقد ظل اعتقادي‮ ‬راسخا بأن الطبقات الشعبية هي‮ ‬العمود الفقري‮ ‬لمجتمعنا،‮ ‬فأصحابها هم الذين‮ ‬يدرّبون الفرق الرياضية،‮ ‬وهم الذين‮ ‬يعتنون بكنائسنا، وهم الذين‮ ‬يتوجهون إلى العمل كل‮ ‬يوم‮‬،‮ ‬ويرسلون أبناءهم إلى الجيش‮،‮ ‬وهم إسمنت المجتمع‮". على هذه القاعدة‮ ‬التي‮ ‬يعتبرها ‬من الغرب الحديث،‮ ‬يقود ستيف بانون ‬بناء أممية جديدة في‮ ‬أوروبا‮، ‬على أساس أن ما‮ ‬ينجح في‮ ‬ما وراء الأطلسي‮ ‬ينجح في‮ ‬أوروبا. وهو‮ ‬يسعى إلى أن‮ ‬يرسمل‮ (يجعل رأسمالا له) ‬الشعور بأن هناك موجة دولية في‮ ‬طور التشكل‮ ‬من الولايات المتحدة إلى الفيليبين‮، ‬مرورا بإيطاليا والبرازيل‮، ‬تكنس كل ما سبقها بقوة عاصفة، وتنكس كل الرايات‮: ‬الحمراء والخضراء ومتعدّدة الألوان.
‮يستحضر الشعبويون‮‬، بذكاء الباعة المحترفين، ‬الخصوصيات التي‮ ‬تميز كل تجربة وكل بلد،
‮ ‬وكل هدفٍ معلن أو‮ ‬غير معلن،‮ ‬لكن‮ ‬يبقى هناك سؤالٌ لا بد من الإجابة عنه‮:‬ ما الذي‮ ‬يجمع‮ ‬الراكبين على‮ ‬الموجة والراقصين على مياهها؟ ‬ويأتي‮ ‬الجواب ‬من مكر الراهن نفسه بنكهةٍ‮ ‬يساريةٍ وديمقراطيةٍ باتت اليوم في‮ ‬عداد المتهمة،‮ ‬أي‮ ‬أن المشترك بين التجارب الشعبوية‮ ‬هو‮ ‬الشعور بخيانة النخب،‮ ‬انعدام الأمن الثقافي‮‬،‮ ‬تراجع الطبقات الوسطى وابتعادها عن معتقداتها السابقة وتخليها عنها،‮ ‬الخوف من التأثيرات الجانبية السلبية للعولمة‮، انفتاح الحدود‮ وتصاعد الهجرات.
‮‬ويرى لينين الشعبوي‮ الغربي‮ ‬أن الشعار الذي‮ ‬يوحد الأمم القادمة هو "الدفاع عن‮ ‬التراث الحضاري‮ ‬اليهودي‮ ‬المسيحي‮"! ‬والواضح أن العرب والمسلمين،‮ ‬والعرب المسلمين والعرب‮ ‬غير المسلمين،‮ ‬معنيون على أكثر من مستوى بهذه الأممية الجديدة‮.‬ أولا على مستوى‮ عدائها للهجرة والمهاجرين‮. ‬والواضح أننا‮،‮ ‬نحن الشعوب الشرق أوسطية أو شمال أفريقية،‮ أو من أي‮ ‬منطقة،‮ ‬المنجم الأكبر في‮ ‬توزيع شعوبه على جهات العالم، وبالتالي‮ ‬نحتكر أخبار الحروب التي‮ ‬تؤدي‮ ‬إلى‮ ‬الهجرة ‬والصراعات السياسية التي‮ ‬تؤدي‮ إلى الهجرة، ‬والظروف الاقتصادية التي‮ ‬تؤدي‮ ‬إلى‮ ‬الهجرة، والسياسات القمعية التي‮ ‬تؤدي‮ ‬إلى الهجرة. وفينا‮ ‬يتلخص كل ما تحقد عليه هذه الشعوبيات الحاقدة،‮ ‬اللاإنسانية والمتهورة أخلاقيا وحضاريا. لكننا مع ذلك لم نجعل من بلداننا جغرافياتٍ لاستقبالنا حتى لا‮ ‬يحقد علينا الآخرون،‮ ونتهمهم بأنهم عاجزون عن أخلاق استضافتنا‮!‬
‮أما المستوى‮ ‬الثاني‮ ‬فأكثر تعقيدا،‮ ‬ويتعلق بالتراث الإسلامي‮ ‬في‮ ‬مواجهة التراث اليهودي ‮
‬المسيحي‮. وهنا لا‮ ‬يمكن أن نفكّر بأن البعد الديني‮ ‬في‮ ‬الصراع قد‮ ‬يكون موجها إلى الصين مثلا أو إلى الهند،‮ ‬باعتبارهما هويتين دينيتين بعيدتين كل البعد عن التراث المسيحي‮ ‬اليهودي‮ ‬المقصود‮ ‬بخطاب الأممية الشعبوية الجديدة،‮ ‬بل نحن هم الهدف‮، ‬فالشعبوية الأوروبية‮ ‬التي‮ ‬يريد ستيف بانون توحيدها‮ ‬تبني‮ ‬خطابها على عداءٍ واضح للإسلامين، العربي‮ ‬و‬غير العربي‮ ‬على‮ ‬حد سواء‮. وهو جزء اليوم من فضاءات التوتر بين الغرب ونفسه، وبين الغرب وقيمه، وبين الغرب والعالم الآخر. ‬وجزء من تغذية الخطاب المعادي‮ ‬لنا،‮ ‬في‮ ‬بناء هوية أمميةٍ جديدةٍ للغرب اليهودي‮ ‬المسيحي‮.‬
ولن نأتي‮ ‬على‮ ‬القضية الفلسطينية طبعا التي‮ ‬تلخص كل ما سبق ذكره،‮ ‬باعتبارها صرّة العالم‮ طوال حربين كبيرتين‮،‮ ‬قبل الحرب الكبرى اليوم في‮ ‬الشرق المفتوح لكل الذاكرات القاتلة‮.‬
ربما سبقت الموجة فقيهها الأميركي‮ ‬ومنظرها، أو لينينها الشعبوي،‮ ‬لكن الأحزاب التقليدية ترى أن هناك إنذارا لا‮ ‬يمكن التغاضي‮ ‬عنه، ‬بل إنه‮ ‬يؤسّس لعالمٍ بني‮ ‬على حروبٍ‮ ‬غرائزية قاتلة‮‬،‮ ‬تعلن انسلاخها عن تراث الثورات التي‮ ‬طوّرت الإنسانية، منذ ثورة فرنسا والميثاق العالمي‮ ‬لحقوق الإنسان، وهو التراث الذي‮ ‬لم نسهم فيه بعد، على الرغم من أن التاريخ أبرز أننا قد نكون أكبر المستفيدين منه، الآن وغدا.