الأكراد يرسمون خارطة العراق بعد الانهيار "القياسي"لجيش المالكي

16 يونيو 2014
الصورة
مقاتلو البيشمركة في إحدى نقاط التفتيش (سيباستيانو تومادا/Getty)
+ الخط -

دفع الهجوم المباغت للجماعات المسلحة في العراق، على مدن الموصل وتكريت وصلاح الدين، بقوات البيشمركة الكردية إلى التمدد خارج حدود إدارة إقليم كردستان. وبينما باتت مدينة كركوك النفطية المتنازَع عليها، وبلدات أصغر تحت السيطرة الكردية، بدأت تلوح في الأفق خرائط جديدة للمنطقة، يرغب الأكراد في تحويلها إلى خرائط دائمة، وهو ما تختصره مصادر أجنبية بالقول إن أكراد العراق ينوون إعلان كركوك قريباً عاصمة للأكراد.

وقاد التراجع الغريب للجيش العراقي، الذي دعا أحد قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، لتسجيله كأسرع هزيمة في سجلات موسوعة جينيس للأرقام القياسية، قوات البيشمركة الكردية، إلى أن تحل محل الجيش، في شريط من الأراضي يمتد لأكثر من ألف كيلومتر، بدءاً من الحدود العراقية السورية، وانتهاءً بالحدود العراقية الإيرانية.

وبلغت مساحة المناطق التي حلت قوات البيشمركة فيها، في الأيام الماضية، عشرين ألف كيلومتر مربع، وهي تمثل نصف مساحة إقليم كردستان نفسه، الذي تبلغ مساحته أربعين ألف كيلومتر مربع.

ويصف الدستور العراقي معظم المناطق التي باتت بعهدة قوات البيشمركة بـ "المتنازع عليها"، وسبق أن حدد الدستور العراقي، الذي أقر عام 2005، فترة سنتين لمعالجة الوضع في تلك المناطق. إلا أن مسؤولي الحكومات المتعاقبة، إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، عطّلا تلك المهلة، لأن حل مشكلة تلك المناطق كان سيؤدي إلى إلحاق قسم منها بالإقليم الكردي، وخروجها عن إدارة بغداد. واستمر الأكراد في الدعوة إلى حل المشكلة من دون فائدة، وجاءت هزيمة الجيش العراقي الأخيرة لتعطي لأكراد فرصة خلق واقع جديد ومحاولة تثبيته.

دعم فكرة الأمر الواقع الجديد

وقال رئيس إقليم كردستان، مسعود بارزاني، في رسالة وجهها إلى الرأي العام، يوم السبت، لتوضيح الموقف إزاء ما يحصل في العراق، إن "قوات البيشمركة تحركت ودخلت إلى مناطق حصل فيها فراغ عسكري وأمني بعد انسحاب الجيش، من أجل حماية مواطني كردستان والمكونات الإثنية والدينية والمؤسسات العامة وملء الفراغ".

وطالب "البيشمركة بالقيام بواجبهم في حماية حدود كردستان وأهالي تلك المناطق والمؤسسات العامة فيها، وعدم السماح لأية مخالفات أو تجاوزات للحدود".

أما رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، فقد أكد أن "البيشمركة لم يحتلوا أي مكان، بل يدافعون عن أراضي كردستان".

وسارعت القيادة الكردية، السياسية والعسكرية، إلى بثّ رسائل تطمين لأهالي المناطق التي دخلت قواتها إليها، مفادها أنهم آمنون، وأن البيشمركة ستدافع عنهم، ولن يكونوا مضطرين إلى الهرب من مناطقهم مثلما فعل أهالي الموصل.

وأشار بيان صدر، أمس السبت، عن حكومة الإقليم، إلى أن تحرك قوات البيشمركة جاء "لضبط الأوضاع في المناطق ذات الغالبية السكانية الكردية، وكنوع من الإحساس بالمسؤولية الوطنية تجاه سكان تلك المناطق من كرد وعرب وتركمان ومسيحيين، وسنة وشيعة"، مضيفاً أن "هذا هو منتهى إخلاص قوات البيشمركة للدفاع عن استقرار البلد والمحافظة على حياة ووضع المواطنين".

ويعمل الأكراد على تعميق التفاهم في ما بينهم بشأن الوضع الجديد، إذ لا يبدو أثر قوي لخلافات داخلية من شأنها أن تعيق تحقيق الهدف الكبير، وهو ضم مناطق جديدة لإقليم كردستان.

وفي السياق، أوضح بيان صادر عن الاجتماع المشترك لقيادة البيشمركة وحكومة الإقليم، أمس السبت أيضاً، أن المجتمعين "قرروا تشكيل غرفة عمليات أمنية وعسكرية عليا تشرف على النشاطات العسكرية والأمنية، وكذلك تشكيل عدد من الغرف المؤقتة في عدد من المناطق المختلفة، تعمل جميعها على أساس إجماع آراء مكونات شعب كردستان".

في المقابل، يرى بعضهم أن مستجدات الأوضاع وصعوبة مواجهتها، جعلت بغداد تسمح بتحرك قوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها لمنع سقوطها في يد المسلحين.

وفي هذا الإطار، كشف نيجيرفان بارزاني، أمس السبت، أنه "عندما تعرضت كركوك إلى خطر الهجوم، طلب مكتب نوري المالكي، رسمياً، من إقليم كردستان استلام مقر الفرقة الثانية عشرة لكي لا تحدث مشكلة".

وتساءل النائب الكردي في البرلمان العراقي، شوان محمد، "لماذا يتعين علينا أن ندخل في الظروف العصيبة إلى المناطق المتنازع عليها ونوفر الحماية لها، وفي أوقات الهدوء والاستقرار نعود لتسليمها إلى الحكومة العراقية، وإلى متى تستمر هذه السياسة؟".

وأوضح محمد، في تصريح لـ "العربي الجديد"، أن "هناك واقعاً جديداً يفرض نفسه في تلك المناطق، وهو أنها يجب أن تظل جزءاً من إقليم كردستان".

وشدد على أن "هذا الواقع أفضل حتى للعراق والحكومة العراقية لأن مناطق عديدة ستشهد استقراراً، وسيُرفع عن كاهل بغداد توفير الحماية لها، وهي غير قادرة على توفيرها مع جيش مهزوم".

من جهته، قال أحد المواطنين ويدعى نجم الوني، وهو كردي وعضو في الحزب الشيوعي بمدينة خانقين، إحدى المناطق المتنازع عليها، إن "الشارع هنا مع الانضمام إلى إقليم كردستان، وهذا مطلب له أساس، فهناك مادة دستورية تدعم هذا الحق بالالتحاق بكردستان".

وأضاف الوني، في حديث لـ"العربي الجديد"، "نريد أن يبقى الوضع الحالي ويصبح نهائياً، لكن مطلوب من السياسيين الكرد أن يتجاوزوا مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة ويلعبوا ورقة المادة الدستورية 140 بشكل جيد، لتبقى الأوضاع الحالية في خانقين وجلولاء والسعدية وكل المناطق المتنازع عليها، تحت سيطرة البيشمركة وتابعة لإقليم كردستان".

ولا يبدو الوضع في كل المناطق المتنازع عليها متشابهاً، فكلما كانت نسبة السكان الكرد غالبة على بقية القوميات، كان انضمامها إلى كردستان أسهل، أما في المناطق التي تتواجد فيها مجموعات سكانية كبيرة من غير الكرد مثل كركوك، فيكون الأمر أصعب.

وقال الصحافي العربي في كركوك، مروان محمد، لـ "العربي الجديد"، إن "الصراعات السياسية تسيطر على جو الأوضاع في كركوك، وإن هدأت اليوم بسبب التحديات الأمنية وخروج قرابة نصف مساحة كركوك عن السيطرة، ونفوذ الجماعات المسلحة فيها، إلا أن جوهر الخلاف قائم وخاصة حول مستقبل كركوك".

وأكد أن "هذه المرحلة مؤقتة، وستبقى الغلبة للقوات الكردية التي تمتاز بشراسة القتال أكثر من القوات الاتحادية، وهي على الأقل في الوقت الراهن محل رضى الجميع شريطة أن لا تصطدم بمكونات كركوك أو ترتكب أخطاء تؤثر في الهدوء".

المساهمون