الأكثر مبيعاً

الأكثر مبيعاً

09 ابريل 2016

"قواعد العشق الأربعون" تشبه الحكايات من جيل إلى جيل

+ الخط -

اشتريت، قبل عامين، من معرض القاهرة للكتاب، مجموعة من الكتب، كانت منها رواية "قواعد العشق الأربعون"، للتركية أليف شافاك. ولأنني وقتها لم أكن قادرة على الاهتمام بشيء خارج المأساة السورية، وضعت الكتب في خزانة حائط، أستخدمها لوضع كل ما ليس ضرورياً في حياتي اليومية. يومها، كنت أرى القراءة فعلاً ترفياً، لا أجرؤ على القيام به. لم تكن الكتب ضرورة ملحة وقتها، ولا الأدب بشكل عام. مع ذلك، لم أتوقف عن شراء الكتب وحشرها في خزانة الحائط، حتى استعدت نفسي بعد مدة، واستعدت قدرتي على القراءة ساعات متواصلة. أخرجت الكتب من خزانة الحائط، ووضعتها في مكتبةٍ خاصةٍ، وبدأت أسحب منها كل فترة كتاباً أقرأه وأعيده. وكل مرة، كنت أتجنب سحب "قواعد العشق الأربعون". أرى العنوان، وأتذكّر كل الاقتباسات منه على صفحات أصدقائي على "فيسبوك". وقد جعلتني الاقتباسات المتكرّرة والكلام المتواصل عن الكتاب وشهرته العالمية أقتنع بأن العمل يندرج في كتب "أفضل المبيعات"، أو كما تسميها النخب كتباً شعبيةً خفيفة، لا تنتج أي فعل تغييري.

بعد مدة من التردّد، قرّرت أن أقرأه، وأن لا أنجرف وراء أحكامي الجاهزة. يومها، كانت شهيتي مفتوحة على القراءة، فبدأت قراءة الرواية منذ الصباح. ولدهشتي، لم أنم قبل إنهائها، مع أنها من الحجم الكبير نسبياً. وفي حالة الكسل التي تشبه حالتي، تحتاج قراءتها إلى أيامٍ عديدة، سأعترف أنني استمتعت جداً بقراءتها، على الرغم من أنها لم تقدّم لي جديداً في ما يخص مضمونها، فحكاية جلال الدين الرومي مع شمس التبريزي ليست جديدة عليّ، ولا المقاطع المقتبسة من أقوال الشخصيتين، ولا قواعد التبريزي، كما أنه لا مفاجأة في الحدث الروائي المعاصر، باعتبار أن العمل مبنيّ على زمنين مختلفين، يمكن للقارئ أن يخمّن ما سيحدث في السرد الروائي منذ البداية. مع ذلك استمتعت بقراءتها، وأعترف أنني، منذ زمن طويل، لم أستمتع بقراءة عمل روائي كهذا، ما أعاد إليّ سؤالاً تجاهلت الإجابة عنه طويلاً: ما المهم أكثر في أي عمل أدبي أو فني، قيمته الفكرية أم ما يمنحه من متعة لمتلقيه؟

ثمّة أعمال أدبية وفنية عظيمة، لكنها تنتمي إلى عالم النخبة فقط، تنتمي إلى قرّاء نوعيين أو مختصين، تصعب قراءتها على قارئ عادي، هي هكذا تنفي عن نفسها شرط التغيير لدى العامّة حتى على مستوى الذائقة. كم شخصاً في العالم استطاع قراءة رواية "خريف البطريرك" لماركيز، وهو أكثر روائيي العالم شهرة وانتشاراً؟ ليست لديّ إحصائية، لكنني أكاد أجزم أن من أكملوا قراءتها قلّة، فهي تنتمي إلى عالمٍ روائي ولغوي وتخييلي بالغ التركيب، وتحتاج قراءتها إلى استنفار مخزون معرفي مركّب، كتركيب تخييلها، بينما حققت روايته "ذكرى غانياتي الحزينات" انتشاراً واسعاً جداً، وصدرت بطبعاتٍ متعدّدةٍ، وبيعت على الأرصفة في نسخٍ مزورة، فعالمها متاحٌ وسهلٌ، وتخييلها ليس غرائبياً. هو يقف تقريباً في مخيال الإيروتيك الشعبي نفسه. لا يبتعد عنه كثيراً، وهو حال "قواعد العشق الأربعون"، وأعمال أدبية وفنية كثيرة مشابهة، تشبه الحكايات المتداولة، المتناقلة من جيل إلى جيل، تشبه مشاهدة فيلم سينمائي ممتع. وهذا يستدعي سؤالاً آخر: أليست القراءة، بحد ذاتها، قيمة جمالية، مثل مشاهدة السينما وحضور المسرح والاستماع إلى الموسيقى؟ أليس الجمال، وسط كمية القباحة الذي تسيطر على عالمنا، قيمة كبيرة؟ أما عن المتعة، فأذكر كلاماً قرأته، ذات يوم، عن ماركيز، في رده على سؤال: لماذا لا تكتب عن المجتمع الكولومبي الغارق في مشكلاته الاقتصادية؟ قال ماركيز ما معناه: "ما الذي سأضيفه للعامل وللفقير وللمحتاج إن كتبت عن مشكلاتهم ويومياتهم؟ هم يعرفونها أكثر مني. أنا لا أعيش معاناتهم، ولن أكون صادقا في نقلها. مهمتي أن أكتب ما يقدّم لهم المتعة، ما يمنحهم بعض البهجة في حياتهم". شخصياً، ووسط موجات الدم والعنف التي تأخذ في طريقها الجميع، أرى أن المتعة هي الخطوة الأولى في الطريق الطويل، لمواجهة عبثيّة هذا الموت المجاني.

BF005AFF-4225-4575-9176-194535668DAC
رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية ومجموعة مترجمة إلى اللغة السويدية، وأصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. تكتب مقالات رأي في الصحافة العربية.