الأكثرية تختار من يعارضها في تونس

الأكثرية تختار من يعارضها في تونس

02 مارس 2015
أدّى خطأ تقني إلى استعار الجدال (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -
نالت مسألة رئاسة اللجنة المالية داخل مجلس نواب الشعب التونسي، حيّزاً كبيراً من النقاشات التي امتدت أسابيع عدة، وارتباطها بمسألة "تعريف المعارضة". وفي وقتٍ ساد اعتقاد بأن الموضوع حُسم مساء الجمعة، لمصلحة ممثل "الجبهة الشعبية" منجي الرحوي، عادت الأمور إلى نقطة الصفر أثناء التصويت على "تعريف المعارضة". وظهر "خطأ تقني" في عدّ الأصوات، بسبب تصويت النائب عن "آفاق تونس" أنور العذار مرتين، لاعتقاده أن "عملية التصويت لم تتمّ تقنياً في المرة الأولى، ما دفعه إلى التصويت مرة ثانية". مع العلم أن أنصار اعتبار "المعارضة هي الكتل فقط، لا المستقلون"، نالوا 109 أصوات، في مقابل 107 صوّتوا ضد فكرة "اعتبار المعارضة للكتل فقط". ليتم تأجيل حسم موضوع "تعريف المعارضة" وبالتالي رئاسة اللجنة المالية حتى إشعار آخر.

وفي السياق، اعتبر عصام الشابي، القيادي في الحزب "الجمهوري"، الذي ينتمي إليه المرشح لرئاسة اللجنة المالية، إياد الدهماني، في تصريح لـ "العربي الجديد"، أن "إصرار الجبهة على التصويت العلني، كان بهدف إحراج النواب أمام أحزابهم، والتأكد من مدى انضباطهم الحزبي. وهو ما يدل على احتمال عقد اتفاقات مسبقة بين الجبهة وبعض أحزاب الائتلاف الحاكم، وعلى رأسهم نداء تونس".

ورأى أن "ما حصل يكشف أن الأغلبية تختار من يعارضها وفق تفاهمات مسبقة، وردّ للجميل، بعد أن ساندت الجبهة مرشح النداء في الانتخابات الرئاسية، أو بالأحرى قطعت الطريق أمام منافسهم، الرئيس السابق، المنصف المرزوقي".

اقرأ أيضاً: الدبلوماسية التونسية: لا مغامرات في المدى المنظور

واللافت أن ما ذهب إليه الشابي في اعتبار أن "الأغلبية اختارت من يعارضها"، هو ما ذهب إليه الرحوي أيضاً، حين أكد أن "الحكومة تختار من يعارضها". وجزم أن "ما جرى داخل الحكومة هو مؤامرة بضغط من البنك الدولي لإقصاء الجبهة من رئاسة اللجنة المالية".

وكانت قضية "اللجنة المالية" بدأت عندما تقدم 18 نائباً معارضاً بطلب لمكتب المجلس، يقضي بتعيين الدهماني على رأسها، بحجة "تمثيلهم مجتمعين أغلبية المعارضة داخل المجلس"، وبعد نقاشات طويلة أقرّ مكتب المجلس، الذي يمثل كل الكتل النيابية المعارضة، والمتحالفة حكومياً، رئاسة الدهماني للجنة. واعترضت "الجبهة الشعبية" على هذا المفهوم للمعارضة، باعتبارها الكتلة الأكبر بـ15 نائباً، في حين أن منافسها لا يمثل كتلة واحدة، وإنما يمثل مجموعة من المعارضين المستقلين، وطالبت بعرض الموضوع على الجلسة العامة لحسمه، وهو ما تمّ يوم الجمعة، قبل الخطأ التقني.

وشهدت الجلسة العامة مقاطعة نواب "التيار الديمقراطي" و"المؤتمر من أجل الجمهورية" و"حركة الشعب" و"الكتلة الديمقراطية" للتصويت. كما طالب عدد من نواب المعارضة زملاءهم في "الجبهة الشعبية"، بحسم الأمر في ما بينهم كمعارضين، من أجل التوصل إلى اتفاق، لا يخضع لتصويت الائتلاف الحاكم لتحديد من يعارضهم، لكن الجبهة تمسكت بالرفض وطالبت بتصويت علني.

وأظهرت نتائج تصويت الجمعة تغير مواقف كتل سياسية عدة، فقد كان معروفاً أن كتلة "نداء تونس" و"الاتحاد الوطني الحر" و"حركة النهضة"، قرروا دعم "الكتلة الديمقراطية" من أجل تمثيل المعارضة نيابياً، بينما لم يساند "الجبهة الشعبية" سوى "آفاق تونس".

اختلف الوضع تماماً خلال الجلسة العامة، وصوّت "نداء تونس" و"آفاق تونس" للجبهة، وتحفّظت "النهضة"، بينما توزّعت أصوات "الاتحاد الوطني الحر" بين متحفّظ وداعم للجبهة أو لغيرها. وأظهر التصويت مدى تفاوت المواقف السياسية بين الائتلاف والمعارضة وداخل الأحزاب ذاتها. 

ويبدو الصراع على منصب رئاسة اللجنة المالية رمزياً، ولا تأثير له على قرارات اللجنة، التي تتألف من ثلاثة معارضين فقط و19 نائباً يمثلون الائتلاف الحاكم. وتُظهر المسألة برمّتها، تشظّي المعارضة النيابية، العاجزة عن تجاوز خلافاتها الانتخابية الماضية، كما يُظهر انقسام الائتلاف الحاكم بدوره حول بعض المسائل. ولا يبدو في هذا الصدد، أن خلاف "النهضة" و"الجبهة"، خفت، على الرغم من دعوات بعض النهضويين إلى تجاوزه. ويظهر الأمر ارتباك "نداء تونس" في مواقفه السياسية، من مصوِّت ضد الجبهة إلى داعم لها، ولم يتوصل إلى تحديد موقف واضح من علاقاته بمسانديه ومعارضيه، ما يعكس تبايناً بين تياراته الداخلية، لم يُحسم بعد.

اقرأ أيضاً: الجنوب التونسي: ملاذ الحوارات الليبية

المساهمون