الأقليات في مصر بين عنف الدولة والإسلام السياسي

13 ابريل 2017
الصورة
+ الخط -
حينما أتحدث، من وجهة نظري، عن الأقليات وكذلك عن الدولة، فهذا لا يعني أنني أقوم بالتفريق بين المجتمع الواحد، أو أنني أفصل بين مجموعةٍ لها انتماءات عرقية أو دينية عن بقية المجتمع، بل ما أحاول أن أقدمه هو الدعوة إلى إقامة المساواة بين مكونات المجتمع الواحد، وهو الدور الذي يجب أن تلعبه الدولة. ولكن، إذا كانت الدولة نفسها تمارس عنفا يشمل المجتمع ككل، بما فيه الأقليات، فأمر آخر. والحديث عن الأقليات في مصر مليء بفجوات ومخاطر كثيرة يتسلل عبرها الاهتمام. لكن الحقيقة الواضحة تاريخيا أن الدولة غير القادرة علي حماية الأقليات داخل مجتمعها غير قادرة أيضا على حماية المجتمع ككل، أو حماية التنوع الاجتماعي داخلها.
يواجه المجتمع المصري منذ عام 1919 الأسئلة نفسها التي لم يستطع أن يجيب عنها، وتتمحور حول الموقف من الأقليات في المجتمع (اليهود سابقا) والأقباط اليوم، الفكر القومي في الاقتصاد والمجتمع، والقومية بأشكالها المختلفة، الإحياء أو التجديد الإسلامي، الاستعمار والصراع العربي الإسرائيلي إلي جانب قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان. وحتى اللحظة، لم يستطع المجتمع المصري أن يقدّم أي إجابة على أي موقف من هذه المواقف. في المقابل، وكعادة الدول في الشرق الأوسط، اعتادت الدولة الهيمنة على الدين، ومحاولة خصخصته، ثم إعادة إنتاجه ليوافق آراء الحاكم. في دولةٍ مثل مصر، وخصوصا بعد 1952. ومع سيطرة الجيش على الحكم، تمت الهيمنة على كل المؤسسات، بما فيها المؤسسة الدينية (الأزهر، والكنيسة). وفي كل الأحوال، كان ما يهم الدولة هو إنتاج خطاب ديني، يعضد سلطتها وقوتها من دون ممارسة أي عملية إصلاح أو تجديد للخطاب الديني. في المقابل، كل محاولات التجديد التي تمت داخل المجتمعات العربية تمت تحت سلطة الاستعمار. وبالتالي، لم تقدّم ما هو 
منشود، إلى جانب أن الفقه الإسلامي الذي تم إنتاجه في فترات سابقة (منذ اللحظة الأولي) وحتى اليوم إنما أنتج تحت سلطةٍ سياسيةٍ معينة، لم يستطع أن يخرج عن تلك السلطة إلا في فترات استثنائية. من خلال نظرة تاريخية للمجتمع المصري، نجد أن جماعات العنف والإرهاب المنظم درجت على استهداف الأقليات، وهذا واضح في التفجيرات التي شهدتها مصر في الخمسينيات ضد الأقلية اليهودية، وقد تزامن هذا بتعاملٍ بنوع من العنف الشمولي من الدولة ضد تلك الأقلية، علي أساس أن جميعهم كان يقف مع الصهيونية، والحقيقة التاريخية تقول غير ذلك، والتي تحتاج إلى توضيح في سياقات أخرى.
في المقابل، لم تحاول الدولة أن تقدم أي مساهمة في تطوير الموقف تجاه الأقليات الموجودة داخلها، بل اعتبرتهم، طوال الوقت، مواطنين من الدرجة الثانية، ولعل هذا ناتج عن عدم وجود صيغة واحدة محدّدة لهوية الدولة، باستثناء هوية القمع السياسي التي تحاول طوال الوقت أن تجعل من الدين أداةً لتبرير القمع، والتأكيد على مشروعيته. مع تولي أنور السادات السلطة، تعددت الأزمات الطائفية بين المسلمين والأقباط، وكان هناك الموقف السياسي المحتدم بين الدولة في شخص الرئيس والكنيسة في شخص البابا، وانتهت بتحديد إقامة البابا في دير وادي النطرون. كان الأساسي الذي قام به السادات إطلاق يد الجماعات الإسلامية في المجتمع لمواجهة المد اليساري والشيوعي، وانتهى الأمر باستحداث المادة التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، وهي التي لم تكن موجودة، وحينما تم كتابة دستور 1923 لم ينص على ذلك، بل كان الشيء الأساسي أن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام واللغة الرسمية هي العربية، ولعل ممثلي الأقليات في لجنة كتابة الدستور في تلك الفترة أبلوا بلاء حسنا، إذ أصرّوا على رفضهم أن يشار إليهم أقلية داخل هذا الدستور، والتأكيد على مبدأ المواطنة، واعتبارهم جزءا من البعد الحضاري والتاريخي للدولة.
ومع اعتلاء حسني مبارك السلطة، وانسحاب الدولة من المجال العام، وإحكام القبضة الأمنية، وعدم تلبية الحاجات الأساسية للفرد، أدى ذلك كله إلى لجوء الأفراد إلى الدين واحتمائهم به، فاحتمى المسيحي بالكنيسة واحتمى المسلم بالمسجد، ما ساهم في تكوين جماعة انعزالية مغلقة، تشعر بأنها أقلية مضطهدة وحقوقها منتقصة، وتهيئة المناخ لنشوء فكر متشدّد يقوم على الكراهية والإقصاء والنزوع إلى الانفصال والخوف من الاندماج والانصهار في المجتمع، خوفا على الجماعة ووحدتها. ومن هنا، أصبحت عملية الولاءات الدينية هي الأساس الذي يحكم العلاقة داخل المجتمع المصري. وتواكب هذا مع وجود كاريزما قوية للبابا شنودة الثالث الذي صبغ الكنيسة ومؤسساتها بطريقة تفكيره، وأصبحت للكنيسة في عهده قوانينها الخاصة التي لا تخضع لقانون الدولة. وقد لوحظ ذلك في رفض الكنيسة قرارات القضاء، إلى جانب مشكلات الزواج بين مسلمين ومسيحيين، وترك الديانة إلى الديانة الأخرى. وعلى طريقة السادات نفسها، وظفت الدولة الخطاب الديني السلفي للتصدّي لتلك الأمور، وتصدير مقولاتٍ تذهب إلى التكفير والجزية وإقامة الحد، وغير ذلك من مقولاتٍ لا تستند إلى أسس شرعية أصيلة، ما ولد حالة من الخوف لدى الأقباط. وقد استغل النظام القمعي لمبارك تلك الحالة، وروج نفسه الحامي لتلك الأقلية، مستخدما إياها في إطالة عمره واستمراره، وتوظيفها لصالحه لاعبا على وتر الأمن والاستقرار لتلك الفئة، وقد أوجد هذا الأمر مراكز قوى أهلية داخل الإدارة السياسية، تعمل لمصالحها الخاصة.
بعد "30 يونيو" في 2013، ازدادت وتيرة القمع داخل المجتمع، وأصبح هناك انتشار للعنف المجاني، خصوصا بعد عملية القتل الجماعي في ميدان رابعة العدوية، وأصبح هناك عملية
شرعنة للقتل على أساس الانتماء، إلى جانب عملية الاستقطاب السياسي والأيديولوجي التي دخل فيها المجتمع، والتي أحدثت حالةً من التحول إلى عدم الاستقرار. ساهم ذلك كله في ازدياد وتيرة الإرهاب وتغذية منابعه، في وقت لم يعد النظام مشغولا فيه سوى بعملية الاستحواذ على السلطة والاقتصاد في آن واحد. فشلت الجماعات التكفيرية في التسعينيات في أن تنجح بفرض أيديولوجيتها، ولعل هذا من المسائل التي يحاول تنظيم داعش دراستها، وهو ما يعرف في أدبيات التنظيم باللغز المصري. لأن المجتمع حينها كان أكثر استقرارا مما هو عليه اليوم، فلم تكن هناك حالة من السيولة والانسيابية داخل المجتمع كالتي هي اليوم، خصوصا بعد أحداث كبرى، مثل ثورة 25 يناير/كانون الثاني أو عمليات قتل جماعي مارستها الدولة. يزيد الإفراط في القمع وجعله الهوية السياسية للدولة من عملية التفكّك داخل المجتمع، ويجعل الدولة غير قادرة على حماية مواطنيها، أو مواجهة الإرهاب والتصدّي له. تبدأ المواجهة الحقيقية للإرهاب بعملية تحول ديمقراطي حقيقي، يوقف عمليات القمع من الدولة، وينهي تدخل الجيش في السياسة، إلى جانب أن إدراك الأقليات المختلفة أن الضمان الحقيقي للقضاء على الإرهاب هو قيام نظام ديمقراطي، وليس وجود نظام سلطوي يعطي الضمانة الشفهية لتلك الأقلية أو غيرها بأن يضمن حمايتهم. فالمراهنة على الأمن داخل نظام ديمقراطي أكبر وأوسع من الرهان على الانضواء تحت راية نظام سلطوي، لا ينظر إلى الآخر سوى باعتباره ورقة سياسية، يوظفها لمصالحه الخاصة من دون أن يقدم حماية حقيقية لأيٍّ من مكونات المجتمع. القمع يضعف المجتمعات ويجعلها غير قادرةٍ على مواجهة الإرهاب، فبوجود القمع لن يكون هناك قدرة على مواجهته.
حفظ الله مصر.