الأقصى المزيّف

02 يونيو 2020
الصورة
يتعيّن على كلّ من صلّى ركعة في أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين أن يعرف أن ثمّة شيخا "جليلا" وقع على كشف دينيّ "دقيق"، يفيد بأن موقع المسجد الأقصى الحالي ليس حقيقيًّا، بل "الحقيقي" في أرض النوبة.
كان سوء طالعي قد دفعني إلى التعثّر بكتاب طبع حديثًا، شعرت معه بأن المحظوظ فعلًا هذه المرة هو "من لا يقرأ"، وليس العكس، وبأن المعرفة يمكن أن تكون ضعفًا، لا قوة، كما يزعم المثقفون. الأدهى أن الكتاب لوزير أوقاف عربيّ سابق يحمل درجة الدكتوراه، ويقيم خارج بلده، ما يعني أنه ليس من فئة "الدراويش" الذين نلصق بهم تهم الافتراء والإفتاء بغير علم، حتى وإن كان "من العلم ما جلط".
والحال، أن "الجلطة" لا تتوقف عند الأقصى وحده، بل يزجّ المؤلف نفسه في تفنيد حقائق علميّة لم تعد تدخل في باب الترجيحات والتخمينات، من قبيل كرويّة الأرض، ووصول الإنسان إلى القمر والمريخ؛ إذ يعتبر "سماحته" أن هاتين الحقيقتين محض كذبتين، فبركتهما وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) لغاية في نفسها، والأغلب أنه يراد بهما دحض متون الكتب المقدسة، لا سيّما قرآن المسلمين. ولا أدري لماذا شعرت لحظتها بأنني أعيش طقوس محكمة غاليليو، مع اختلاف الأدوار بالطبع، يؤمن فيها القضاة بكرويّة الأرض، والمتهم باستطالتها.
تتعدد الجلطات، والكتاب واحد، ولن أسهب في تعداد "الكشوفات" العلمية والتاريخية التي أوردها المؤلف، ومنها أن المسيح لم يولد في فلسطين، ولا بُعث فيها، غير أنني بتّ على قناعة، "علميّة" هذه المرة، بأن مثل هذه المؤلفات الجديدة لا تصدر من "دروشة" اعتدناها من بعض الشيوخ المهووسين بالدجل والشعوذة، بل هي مقصودة، تمامًا، لأسبابٍ عدّة، لا يقف في مقدمتها ضرب الإسلام بأهله ممن يزعمون العلم والدراية، بل ثمّة سبب أعمق وأبلغ، على تماسّ مباشر بصفقة القرن التي يدعو إليها ترامب وأزلامه، وخصوصًا ما يتعلق منها بيهودية الكيان الصهيوني.
على أنني سأفترض "البراءة" في هذا المقام، وأن المؤلف لا يصدر عن مأربٍ ماكر، في هذه المرحلة، حصرًا، ذات العنوان العريض الذي أسلفته: "صفقة القرن"، وأن مراميه لا تتحرّى إضعاف تعلق العرب والمسلمين بمسجدهم وقدسهم، من خلال زعم أنهم إنما يتعلقون بخطأ تاريخيّ وزيف جغرافي مزمنين، وأنه آن الأوان للكفّ عن هذا التعلق "الخادع"، والأحرى ترك القدس عاصمة لإسرائيل ما دامت تحتضن "المسجد الخطأ".
أفترض ذلك، غير أنني لا أستبعد أن يُترجم هذا الكتاب إلى لغاتٍ أخرى، وأن تتبناه آلات إعلامية موجهة هناك، لتزييف الوعي الغربي (المزيّف أصلًا)، وإقناعه ببطلان المطالبات الإسلامية بالأقصى والقدس، بعد أن تم تفنيدها على يد "علماء" مسلمين من ديانتهم وبني جنسهم.
أيضًا، لا أستبعد أن تتوجه تلك "الآلات" إلى أتباع الديانة المسيحية؛ خصوصا الغربيين منهم، الذين صدمهم المؤلف بمكان ولادة نبيّهم، والتشكيك بمواقع كنائسهم التاريخية في بيت لحم وغيرها؛ كي يعيدوا النظر في ارتباطهم الديني بفلسطين التي غدت، وفق تمحيصات المؤلف ونظرياته "العلمية" الناسخة، بقعة جغرافيّة هامشيّة، لم تستمدّ أهميتها إلا من حيث الأخطاء التاريخية التي اقترفت على ترابها.
بهذا المعنى، يجدر بالمسلمين والمسيحيين، والعالم كله، أن يَدَعوا اليهود وشأنهم في فلسطين، ليقيموا دولتهم، ويختاروا عاصمتهم أنّى شاؤوا، فهم في آخر المطاف، إنما يعيشون في الجغرافيا "الخطأ"، والتاريخ "الخطأ"، وكأن الكاتب يوشك على القول إن كل من سقط شهيدًا، دفاعًا عن فلسطين وأقصاها، إنما وقع في "خطأ الشهادة"، وقد يطالب بتقديم اعتذار عربيّ تاريخيّ عما اقترفه صلاح الدين، حين جنّد الأمة كلها لاستعادة هذا "الخطأ".
عمومًا، ما يخفف وقع "الجلطة" على وعينا المختطف، أننا تعثّرنا بـ"صفقة القرن" أولًا، وسنتعثّر لاحقًا، بكثير من "شيوخٍ" أخطأ الدهر بإنجابهم، كما أخطأ سابقًا بإنجاب زعماء أمثالهم.

دلالات

تعليق: