الأغنية العربية: العباءة السعودية تبتلع كل شيء

16 سبتمبر 2020
الصورة
أصالة تصدر أكثر من عشرين أغنية سعودية في ألبوم واحد (جلال مرشدي/الأناضول)

لم يكن تأسيس "هيئة الترفيه السعودية"، قبل ثلاث سنوات، بريئاً؛ إذ تعمل على نطاق مستهلك حاول البعض تكريسه منتصف التسعينيات وفشل. تسعى الهيئة إلى فرض واقع جديد للأغنية العربية بعد عامين من الانفتاح السعودي الفني الغنائي، واستثمار ذلك لمصالح سياسية لم تعد خافية.

منتصف التسعينيات، عمل الأميرالسعودي الوليد بن طلال على تأسيس "شركة روتانا للصوتيات". بعدها بسنوات، شارك رجل الأعمال السعودي الراحل صالح كامل في الدعم والشراكة في محطات ART العربية الفضائية التي أفضت إلى تأسيس محطات "روتانا" الفنية عام 2005.

هدف الأمير الوليد بن طلال المولع بالشهرة ونسج صداقات مع الوسط الفني بدأ ينقلب بعد الأزمة الاقتصادية التي سيطرت على العالم نهاية العقد الماضي، وحملته إلى استثمار ما حققته "روتانا" لفترة امتدت لأكثر من خمسة عشر عامًا، وسيطرتها بالكامل على سوق الإنتاج الغنائي في العالم العربي.

في يوليو/تموز عام 2002، عقد الأمير الوليد بن طلال ما سُمي بالقمة الفنية الأكبر في فندق "فور سيزنز" في شرم الشيخ، ضمت أكثر من 92 مغنيا ومغنية، وحضر الشيخ صالح كامل نائب رئيس مجلس إدارة "روتانا" ورئيس مجلس إدارة "راديو وتلفزيون العرب" ART، ووصفت بالقمة الفنية الأولى من نوعها في تاريخ الفن، ليس فقط على المستوى العربي، بل العالمي أيضاً.

الهدف كان استثمار وضمان حقوق إنتاجات الفنانين المنتسبين إلى "روتانا" لصالح الشركة نفسها التي أفتت بما يسمى عقود التفرغ التي حملت إلى الشركة السعودية اتهامات عام 2011، تقول إن "روتانا تبيع التراث الغنائي العربي لإسرائيل"، ونُشرت مقالات عدة في الصحف والمجلات العربية تطرّقت إلى هذه المسألة، بعد صدور أغنية "ع بالي حبيبي" لإليسا مغنّاة بصوت الإسرائيلية ساريت حداد، أي اللحن ذاته ولكن بكلام عبري، وكانت الشركة الإسرائيلية المُنتجة للعمل وضعت اسم الملحن اللبناني سليم سلامة على غلاف الألبوم الخاص بالمغنية والإصدار الغنائي العبري، وهذا يعني أن الشركة الإسرائيلية نفسها أخذت حقوق إعادة تسجيل اللحن على كلام باللغة العبرية.

عزّز الأمر الشكوك في أن تكون شركة "روتانا" المنتجة لأعمال إليسا قد منحت بالفعل حقوق نشر هذا اللحن للمغنية الإسرائيلية. الشكوك التي حامت حول "روتانا" ليست جديدة طبعاً، ولا تقتصر على أغنية "ع بالي حبيبي" فقط، بل كانت تعود إلى عامين تقريباً، ومنذ لحظة انتشار أخبار الشراكة بين الأمير الوليد بن طلال، وروبرت مردوخ صاحب شركة "فوكس" العالمية التي يُقال إنها تدعم إسرائيل بشكل كبير، وتقدم مساعدات للجيش الإسرائيلي تقتطعها كنسبة من أرباحها حول العالم.

كما برز أيضاً هذا الاتهام لشركة "روتانا" على خلفية "عقود التفرّغ" الجديدة التي اعتمدتها أخيراً مع الملحنين والشعراء الذين يتعاونون معها. كل هذا على ما يبدو كان تمهيداً لما يحدث اليوم من تطبيع مع إسرائيل، خصوصاً مع توّجه إدارة "الترفيه" المستجدة بقيادة تُركي آل الشيخ التي تحاول منذ سنتين السيطرة التامة على مرافق الفن والغناء في العالم العربي، وأصبح ذلك جليًا، من خلال كمية الحفلات التي رعتها هيئة الترفيه منذ 2018 داخل المملكة وخارجها.

الصورة نفسها تستعاد اليوم مع كمية من الإصدارات الغنائية التي حفل بها موسم الحجر جراء كورونا وما بعده. صورة أحادية تطرح علامات استفهام كبيرة حول مستقبل الأغنية العربية وإمكانية حدوث "تضخم" لا يقل ضرراً عن الواقع التضحم الاقتصادي العام الذي ينخر العالم.

قبل أيام، أعلنت المغنية السورية أصالة نصري عن إصدارها الجديد، وهي اليوم موجودة في بيروت لإتمام أول أغنية مصورة من الألبوم الخليجي، وهو بالطبع "سعودي" الهوية، وعمل على صناعته مجموعة من الأمراء لجهة الكلمات والألحان، وحتى التنفيذ التقني والتسجيل.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

باقي يوم واحد @audiorotana @deezermena @sahamtunes #لاتستسلم #أصالة #Assala

A post shared by Assala (@assala_official) on

الواضح أن ألبوم أصالة مدفوع التكاليف، بسبب الكلفة الواضحة للتسجيل ما بين القاهرة ودبي وبيروت، لكن الاستثمار هنا يجيز للشركة المنتجة التكفل بمصاريف الإنتاج والتسويق لضمان امتلاكها وسيطرتها في المستقبل على السوق. لكن الدافع سيصطدم من دون شك بواقع عربي وسياسي هو أيضًا يعاني التغيير، وكل ما يقوم به السعوديون اليوم هو مجرد عرض عضلات واستقواء على بعض الفنانين لجهة الاستثمار في نجاحهم.

المغنية المصرية أنغام لا تبدو بعيدة عن زميلتها أصالة نصري، إذ تتحضر قريباً لإصدار هو في الشكل خليجي بحسب ما يحكى، لكنه سعودي بالدرجة الأولى. هكذا، تتجه البوصلة اليوم من قبل بعض الفنانين إلى "المستثمر" السعودي، طمعاً في المال وبعيداً عن النوعية، وذلك ما يسجل مزيداً من الأسئلة حول تقبل الجمهور لهذه الإنتاجات مع بلوغ الأوضاع السياسية والاقتصادية في العالم العربي حدّاً قضى على كل الاهتمامات الإنسانية الأخرى، فضلاً عن ظهور فيروس كورونا، إذ تحتاج تداعيات المرض إلى سنوات كي يبدأ العالم بالتعايش مع واقع صحي صحيح.

تستعين السعودية اليوم بوجوه غنائية أصبح لها تاريخ وأسماء، مثل أصالة نصري وأنغام وإليسا وراغب علامة، وتعمل وفق أجندات قديمة تماماً كما فعلت شركة "روتانا" بداية تأسيسها، وغاصت في الإنتاج الموسيقي من دون خبرة ومعرفة، ففقدت مصداقيتها في القاهرة التي لم تتبع الممول السعودي.

وحاول لبنان تلميع الصورة، خصوصاً بعد انضمام مجموعة من الفنانين إلى الشركة لكنه لم يفلح، فظل المغنون الأوائل الذين دخلوا "روتانا" معروفين، وخرجت طائفة أخرى من الفنانين الذي جربوا حظهم لكنهم افتقدوا للتسويق والترويج أو التأسيس لنجومية كان بإمكانها منافسة الجيل الذي سبقهم، ولا زال يتقدم عليهم بأشواط.

ثمة أسئلة كثيرة تُطرح الآن، ولا إجابات سوى استغلال أصالة وغيرها من الفنانات من المال السعودي، والعمل على الترويج من خلال استعانة بمتخصصين في التسويق والأزياء وحتى التجميل، والمواقع البديلة لضمان نجاح المنتج "السعودي" الذي من دون شك يأتي في ظل ظروف ليست لصالحه.