الأسرى في مرمى الانتقام الإسرائيلي: مشاريع قوانين فاشية تستهدفهم

الأسرى في مرمى الانتقام الإسرائيلي: مشاريع قوانين فاشية تستهدفهم

13 يوليو 2015
الصورة
محاكمة رامي الحجارة بعقوبة السجن 20 عاماً(فرانس برس)
+ الخط -
يضع الكنيست الإسرائيلي على طاولة نقاشه عدداً من القوانين المتعلقة بالمقاومين الفلسطينيين الأسرى. قوانين تبدأ بالتغذية القسرية للأسرى المضربين عن الطعام ولا تنتهي بقانون ينص على إعدامهم، حيث اجتمعت اللجنة الوزارية الخاصة بالقوانين في الكنيست، أمس الأحد، لتناقش وتبحث قانوناً يشرّع إعدام الأسرى الفلسطينيين.

لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أعلن، أمس الأحد، عن معارضته لصيغة قانون يقترحه حزب "يسرائيل بيتينو" بقيادة وزير الخارجية السابق، أفيغدور ليبرمان، يدعو إلى تخويل المحاكم المدنية فرض عقوبة الإعدام على منفذي عمليات ضد إسرائيل، تسفر عن مقتل مواطنين إسرائيليين. وقرّر نتنياهو تأجيل عرض اقتراح القانون على لجنة التشريع الوزارية، خلافاً لما كان مقرراً سابقاً، وتحويل الأمر للجنة خاصة لمناقشته. واعتبرت مصادر حزبية في الليكود، أنّ "الخطوة تهدف أساساً إلى منع منح ليبرمان، الذي رفض المشاركة في ائتلاف نتنياهو، وينتقده كثيراً، من تسجيل مكاسب سياسية على حساب الليكود".

وتجمع اللجنة الوزارية المختصة بالتشريعات في الكنيست الإسرائيلي، كلاً من وزير العدل الإسرائيلي وخبراء قانون وسياسة، تكمن مهمتهم في صياغة قوانين تسير على خطى الفاشية. فقد قطعت إسرائيل شوطاً كبيراً في قوانينها العنصرية، وبدأت تصمم قوانين للقتل البطيء والإعدام، ومحاكمة الأطفال من رامي الحجارة بعقوبة السجن تصل إلى 20 عاماً.

يقلب هؤلاء الخبراء كل حجر بحثاً عن أي أمر عسكري في زمن الانتداب البريطاني البائد أو في مواد القانون الجنائي لمواءمة السياسة والإجراءات مع القوانين، حتى يكون رجل الأمن الإسرائيلي بمنأى عن أي محاسبة حين يقتل أو يعذّب أسيراً فلسطينياً خلال التحقيق، بل ويتم تقديم مظلّة قانونية فضفاضة له طالما أنّ الضحية فلسطيني.

يعدّد وزير هيئة الأسرى والمحررين، عيسى قراقع، ما يذكره من هذه القوانين، التي يرعاها متطرفون مثل وزير الخارجية السابق، أفيغدور ليبرمان، ووزيرة العدل الإسرائيلية، إيليت شاكيد، وغيرهما من المتطرفين في حكومة الاحتلال، كقانون التغذية القسرية للأسرى المضربين عن الطعام، قانون رفع الأحكام بحق الأطفال رامي الحجارة لتصل إلى 20 عاماً، قانون حرمان الأسرى من الاتصال بعائلاتهم، قانون عدم توثيق مجريات التحقيق مع الأسرى بالصوت والصورة، قانون إعدام الأسرى، قانون إعادة اعتقال الأسرى المحررين، قانون تقييد صلاحية رئيس الدولة في الإفراج عن الأسرى في صفقات التبادل أو المفاوضات.

ويقول قراقع، لـ"العربي الجديد": "نحن أمام جرائم منظّمة لدولة الاحتلال بمظلة قانونية"، مضيفاً: "كلها قوانين معروضة على طاولة النقاش والبحث في الكنيست الإسرائيلي، وبعضها تم تمريره من خلال القراءة الأولى وينتظر القراءة الثانية، واستكمال إجراءات إقراره حتى يصبح نافذاً وأمراً واقعاً، ليُعمَل به في المحاكم الإسرائيلية".

المفارقة، أن الفلسطينيين لا يعلمون شيئاً عن هذه القوانين التي يسمعون عنها في الإعلام الإسرائيلي. يبدأ الأمر مثل بالون اختبار، عادة ما تقيس به إسرائيل ردة الفعل. فإذا كانت ردة الفعل واسعة، تضعه في الدرج إلى حين تسنح الفرصة التي عادة ما تتوفر عند أي فعل مقاوم. أمّا إذا لم يلق أي ردة فعل، وهذا الأمر الغالب، تبدأ بتمرير القانون ليصطدم به الأسير الفلسطيني في المحاكم العسكرية الإسرائيلية، بعد أن أصبح نافذاً بالفعل.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تتجه إلى تشريع "التغذية القسرية" بحق الأسرى

وقد ناشدت هيئة شؤون الأسرى والمحررين كافة البرلمانات في العالم. وتحدث قراقع أمام البرلمان الأوروبي قبل أسابيع، ليشرح أمام مئات النواب الأوروبيين قوانين الاحتلال بحق الأسرى، ومضيّ إسرائيل قدماً في سن قانون يشرّع إعدام الأسرى، فضلاً عن طلب تدخل عاجل لمجلس حقوق الإنسان، قائلاً: "هذا ما نستطيع فعله على أمل الحصول على المساعدة".

وبحسب قراقع، فإنّ لجنة حقوقية من البرلمان الأوروبي ستحضر إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة في 22 يوليو/ تموز الحالي، وسيُطلب منها زيارة المعتقلات الإسرائيلية. ويعلم قراقع، كما كل فلسطيني، أن إسرائيل لن تسمح لأحد بزيارة معتقلاتها ومعاينتها عن قرب. فقد سبق ومنعت لجنة تحقيق أوروبية ودولية من دخول المعتقلات الإسرائيلية أكثر من مرة، لا سيما في العامين الماضيين، عندما استشهد أكثر من أسير بسبب التعذيب مثل عرفات جرادات أو الإهمال الطبي مثل ميسرة أبو حمدية وغيرهما الكثيرين.

تواجه مؤسسة "الضمير" لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، في الأراضي الفلسطنية المحتلة، مثل غيرها من المؤسسات الحقوقية المهتمة بالأسرى، والقوانين الإسرائيلية بكل السبل القانونية. ويتم ذلك عبر التنسيق مع مؤسسات حقوقية دولية مختلفة.
تدرك المحامية ومديرة المؤسسة، سحر فرنسيس، أن معركتها وغيرها من القانونيين الفلسطينيين والدوليين ضد القوانين الإسرائيلية معركة تنطلق من قواعد جوهرية مختلفة.

وبحسب فرنسيس، فإنّ "دولة الاحتلال لا تتعامل في قوانينها مع الأسرى على اعتبار أنهم بشر ولهم حقوق، بل إن النقمة والشعور بضرورة الانتقام المحرك الأساسي لابتداع كل هذه القوانين من البرلمان الإسرائيلي الذي ترتفع وتيرة الفاشية فيه يوماً بعد آخر".

وتثبت إسرائيل بشكل دائم أن المعايير العالمية لحقوق الإنسان ليست على قائمتها بالتعامل مع الفلسطينيين، لذلك قطعت بعض قوانينها الفاشية شوطاً متقدماً نحو تطبيقها ضد الأسرى، لتكون بذلك مسألة وقت لا أكثر. وتقول فرنسيس، لـ"العربي الجديد"، إنّ "قانون التغذية القسرية مرّ من خلال القراءة الأولى، وتم التوجه إلى المؤسسات الدولية والأمم المتحدة، وتقديم شكوى إلى المقرر الخاص بموضوع التعذيب من قبل مؤسسة الضمير، وأطباء لحقوق الإنسان، العام الماضي". وتابعت فرنسيس: "لقد بعثنا رسالة ثانية هذا العام، بعد موافقة الكنيست على إعادة استخدام النص ذاته الذي قدم العام الماضي، وطرحه للتصويت عليه حالياً من خلال القراءة الثانية والثالثة تمهيداً لتطبيقه بعد ذلك".

قانون آخر يهدّد آلاف الأطفال الفلسطينيين، الذين بات رشق أي منهم لحجر على مركبة عسكرية إسرائيلية أو للمستوطنين، يجعله مهدداً بالسجن لمدة عشرين عاماً. يجد هذا القانون تشجيعاً من أعضاء الكنيست الذين وضعوه على طاولة البحث والنقاش، لعلّهم يفلحون في اجتثاث أبسط أنواع المقاومة الفلسطينية، التي تكمن في إلقاء حجر نحو آلة عسكرية مدججة. وعادة ما يكون إطلاق النار المباشر من قبل الجنود والمستوطنين هو الرد المباشر على هذه المقاومة، لكن في حال أخطأ الرصاص جسد رامي الحجارة، فإنّ السجن 20 عاماً سيكون في انتظاره.

وتعلّق فرنسيس على هذا القانون بالقول إن "عقوبة رامي الحجارة على مركبة عسكرية بالسجن 20 عاماً موجودة في الأوامر العسكرية. وما قامت به إسرائيل أخيراً، هو مواءمة القانون المدني بالأوامر العسكرية المعمول بها في الأراضي المحتلة، لأن العقوبة بموجب القانون المدني أقل من 20 عاماً".

اقرأ أيضاً: حكومة نتنياهو تشدّد العقوبات على الأسرى وراشقي الحجارة

وترى مديرة "الضمير" أنّ أسباب تفعيل هذه العقوبة في الوقت الراهن يعود لسببين. يكمن الأوّل في بروز قضية في الضفة الغربية المحتلة، يدّعي الاحتلال من خلالها، أن إلقاء الحجارة تسبب بحادث سير أدى إلى مقتل مستوطنة. أما السبب الثاني، فيتعلق بالمواجهات الفلسطينية الواسعة ضد الاحتلال التي جرت في القدس المحتلة بعد قيام المستوطنين بحرق الطفل محمد أبو خضير حياً في يوليو/ تموز العام الماضي. لكلا السببين، أراد الاحتلال ردع رامي الحجارة، فقام بمواءمة القانون العسكري الذي كان نادر التطبيق، كما تقول فرنسيس، مع القانون المدني لتصبح العقوبة منصوصاً عليها قانونياً.

يعلم الخبراء القانونيون الفلسطينيون والدوليون، من خلال مكافحتهم على مدى عقود للقوانين الإسرائيلية، أن كلمتي "نادر" و"غير ممكن التطبيق" ليستا موجودتين في قاموس قانون العقوبات بحق الفلسطينيين. يتم التلويح بمعظم القوانين العنصرية عبر الإعلام، بعد أن تبدأ مجموعة من المتطرفين بالحديث عنها، ثم يتم جر الكنيست الإسرائيلي لمناقشتها، قبل أن تصبح قانوناً. وتشير فرنسيس إلى مشروع قانون ينص على إعدام الأسرى، "وكما هو معلوم، فقد وردت عقوبة الإعدام في الأوامر العسكرية الإسرائيلية والمدنية وذلك بالجرائم التي لها علاقة بالنازيين، لكن إسرائيل قامت بتفعيلها بشكل نادر في السابق".

ويعلّق رئيس "نادي الأسير الفلسطيني"، قدورة فارس، على ما سبق، في حديث لـ"العربي الجديد"، بالقول إنّ "إسرائيل تريد أن تؤكد من خلال هذه القوانين أنها ليست دولة عنصرية من خلال السلوك والقرار السياسي فقط، بل من خلال التشريعات أيضاً". ويتساءل فارس: "من يرفع سقف الوحشية أكثر؟ ومن يضع حلولاً يترجمها على شكل تشريعات أكثر؟ فاليمين المتطرف يحرج الليكود المتطرف أصلاً، ويجرّه نحو موقفه في إطار التسابق على الصوت اليهودي".

ويرى فارس أنّ "المناضلين الفلسطينيين باتوا ساحة لتسابقٍ حزبيٍ يهودي، والمسؤول الإسرائيلي يعزز الشعور لدى جمهور الناخبين بأنه سن تشريعات قاسية ضد المقاومين، ويتسابق رموز اليمين الإسرائيلي لتقديم هذه التشريعات لجمهورهم على أنها إنجاز، بينما الأسير الفلسطيني هو آخر من يسمع بهذه القوانين التي تستهدفه". ويلفت فارس إلى سؤال مركزي يفرض نفسه حول غياب صدى هذه القوانين لدى السياسي الفلسطيني، إذ لا يوليها الاهتمام الكافي، قائلاً: "الحركة الوطنية الفلسطينية مشغولة في صراعها الداخلي أكثر من انشغالها في ما يجري حولها، سواء من قبل دولة الاحتلال أو المحيط الإقليمي، وبات الجزء الأكبر من الطاقة الذهنية يركّز على الصراع الداخلي". ويلخص فارس الحل "بضرورة أن تتخذ الحركة الوطنية الفلسطينية قراراً بعدم الاحتكام للقوانين والمحاكم الإسرائيلية"، مؤكداً "أن الوضع ناضج تماماً لمثل هذا القرار، لكن القيادة الوطنية لم تنضج بشكل كاف لتقرر".

ويشدّد الأسير المحَرّر والخبير في شؤون الأسرى، علي جرادات، على أنّه "أصبح من غير المعقول أن يقوم المستوى الفلسطيني بتمرير هذه القوانين في ظل وجود جماعات صهيونية حقوقية وإعلامية وحزبية ترفضها". ويتابع جرادات، في حديث لـ"العربي الجديد": "يجب الاعتماد على هذه النقطة لفضح الوجه الفاشي لإسرائيل، وإذا خضنا المعركة تحت هذا العنوان، ستكون هناك إمكانية كبيرة للنجاح".

جرادات، الذي اختبر ولا يزال المعتقلات الإسرائيلية كافة، منذ عام 1967، وبات رمزاً وموسوعة لكل ما يتعلّق بالأسرى، يرى أنّ "الخلل قد حدث بالفعل عندما تم التعامل مع المحاكم الإسرائيلية، ولجان الاعتراض العسكرية الخاصة بالاعتقال الإداري، لأن التعامل معها هو إقرار بأن القضاء منفصل عن الأمن الإسرائيلي، وهذا غير صحيح". وتابع: "هذا النقاش تم في بداية الاحتلال، ثم غلب الرأي بالتوجه نحو المحاكم".

ويضيف جرادات: "لدينا الآن تغيّر نوعي عبر سن قوانين ليست عنصرية، وإنما ترتقي إلى حدود الفاشية، وهذا يستوجب مجابهة على مستويين. سياسي، عبر مقاطعة المحاكم بناءً على هذه التطورات الخطيرة. وأما المستوى الثاني، فيتلخّص بخوض نضالات مساندة دبلوماسية وقانونية وإعلامية وجماهيرية مع النظام الأساسي، وهي المقاطعة، لفضح هذه القوانين". ويعتبر أنّ "هذا التطور في الإجراءات القانونية ضد الأسرى، هو أحد أوجه تغوّل اليمين المتطرف على كافة المستويات، والمجابهة هنا في هذا العنوان الفرعي، هي جزء من مجابهة الحكومة الإسرائيلية المتطرفة بشكل كامل".

اقرأ أيضاً: دعوات بضرورة مقاطعة الأسرى للمحاكم العسكرية الإسرائيلية

المساهمون