الأسد باقٍ ويتمدّد

الأسد باقٍ ويتمدّد

26 مايو 2020
الصورة
+ الخط -
قد لا يتناسب عنوان هذا المقال مع السجالات الدائرة والمقالات الكثيرة التي كتبت في الفترة القريبة الماضية عن تحركات لأطراف إقليمية دولية كثيرة لإيجاد تفاهمات حول سورية، وتحديدا بشأن مصير رأس النظام المجرم بشار الأسد. كما أنه، في توقيته، قد لا يتفق مع اتساع دائرة خلاف الأسد ورامي مخلوف العائلي على تقاسم أموال الشعب السوري المنهوب، والذي قد يكون عزز هذه الفرضية لدى كثيرين ممن يدعمون نظرية أن روسيا تعمل على إزاحة الأسد بعد انتهاء دوره لديها، بل إنهم يذهبون أبعد من ذلك بالقناعة بوجود صفقة لرحيل الأسد يجري الاتفاق على تفاصيلها وقد تداعت جهات كثيرة لطرح أسماء شخصيات متفق عليها لخلافة بشار الأسد، لكن السؤال الأهم هنا، ولم تتم الإجابة عنه بعد: هل سيكون رحيل بشار الأسد بشخصه فقط (كما يروج الإعلام الإسرائيلي على لسان إيدي كوهين حين كتب في تغريدة له إن مهمة الرئيس السوري انتهت وسيتم توكيل شخص آخر مكانه)، أم سيكون هدف هذه الصفقة رحيل الرئيس وحلقته الضيقة، كما يحاول الطباخ الرئيس الروسي، بوتين، الإيحاء به، من خلال الأخبار التي تبثها صحيفته هنا وهناك، بحجة أن الأسد والطبقة المحيطة به هم فقط الفاسدون، أم أنها ستكون صفقة شاملة تنهي النظام بأكمله، بطائفته وجيشه وأمنه، كما تشتهي المعارضة السورية، ولكن لفهم فرضية بقاء الأسد (ولو إلى حين) مع التأكيد على حقيقة واحدة، أن رحيل الأسد أو بقاءه في سورية سيكون نتيجة تفاهمات دولية؟ هناك أسباب داخلية داعمة لهذه الفرضية، وعوامل إقليمية ودولية مساعدة لبقاء نظام الأسد.
الأسباب الداخلية: أولا، على مدى خمسين عاما الماضية، دمّر نظام الأسد المجرم الابن وقبله 
الأب المجتمع السوري بكامل أطيافه، وقتل أي فكرة لوجود بديل عن آل الأسد حتى من الطائفة العلوية نفسها التي استخدمها وقودا لحربه على الشعب السوري، وهو يدرك الآن أكثر من قبل أن المجتمع الدولي ليس لديه بديل عن الأسد، ويحسن استغلال ذلك على أكمل وجه. ثانيا، تسيطر إيران بشكل كامل على مفاصل النظام بجيشه وأجهزته الأمنية. لذلك ليس مع المأمول التعويل عليهم بالقيام بأي جهد لتغيير الأسد، انتشار الفساد بشكل كبير في أجهزة الدولة وتتحكم دائرة صغيرة من أصحاب الأسد بشكل لا إنساني بلقمة عيش المواطنين المسحوقين، والذين أصبح همهم الوحيد هو تأمين لقمة العيش (مع أنهم في سرهم يدعون ليلا ونهارا بفناء الأسد وزمرته)، ويتركز رأس المال في يد أمراء الحرب من مختلف الطوائف، يسيطرون على الأعمال المربحة، ويديرون عصابات إجرامية، وهؤلاء من مصلحتهم بقاء هذا النظام. ثالثا، يستطيع الأسد، ومن خلفه حزب الله والإيرانيون، البدء بجولة جديدة من العمليات العسكرية في الجنوب والشمال في أي وقت يريدونه لخلط الأوراق وإبقاء الصراع متصاعدا في سورية، لمنع تداول موضوع رحيل الأسد. رابعا، يمتلك النظام القدرة على توجيه عمليات "داعش" في أي مكان وزمان، ليبقي موضوع مكافحة الإرهاب على طاولة الصراع. خامسا، يواجه النظام معارضة مفككة لا تمتلك قرارها السياسي أو العسكري، وليس لديها مؤسسات حقيقية قادرة على الإمساك بزمام الحكم. سادسا، تعويل المعارضة السورية على فكرة تخلي بوتين وروسيا عن نظام الأسد جعلها تركن لأحلام وأمنيات تحقيق التفاهمات التركية الروسية، والتي كان هدفها الوحيد تفتيت المعارضة العسكرية قبل السياسية.
العوامل الإقليمية: أولا، بالنسبة للمحيط العربي (الحكومات، وليس الشعوب العربية والتي في 
غالبيتها تدعو الله أن يقتص من بشار وأعوانه)، ومع امتداد الثورة السورية للسنة العاشرة، ووجود الظروف الحالية، مثل كورونا، وحصار قطر، وصراعي خليفة حفتر في ليبيا والحوثيين في اليمن، أوكل الجميع المهمة، بشكل أو آخر، إلى المحور الروسي التركي لحل القضية السورية، وليس هناك من دافع لدى أي من هذه الدول لاتخاذ موقف خارج أي تفاهمات دولية، وخصوصا مع بدء العد التنازلي للانتخابات الأميركية، والتي ستؤثر نتائجها بشكل حاسم على علاقات الولايات المتحدة بالمنطقة، وخصوصا منطقة الخليج. ثانيا، بالنسبة لإيران، سورية هي الامتداد الجغرافي الطبيعي للهلال الشيعي، وتحقق حلم إمبراطوريتها الفارسية بالوصول إلى شاطئ المتوسط. عندما دخلت إيران سورية لم يكن لديها نية للخروج منها أبدا، وسورية هي الحليف الاستراتيجي لمشروع إيران في محاصرة السنة في المنطقة، وهى ورقة تمكين نفوذها في العراق، وهي بوابة الدعم الاستراتيجي وشحن السلاح والتدريب والقيادة والسيطرة لحزب الله اللبناني الذي يمثل ورقة ضغط على إسرائيل والولايات المتحدة. إيران اليوم متغلغلة في مفاصل البلاد ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والدينية، ولن تخرج من سورية إلا بقوة السلاح. ثالثا، تركيا الجار اللدود، 
والتي لها أكبر حدود مع سورية، تغير موقفها من النظام منذ بداية الثورة السورية، من مطالبته بإصلاحات تحقق مطالب الشعب إلى العداء المعلن له والمطالبة أكثر من مرة برحيل النظام، ثم لتعود مع التدخل الروسي في سورية، لتخفف من لهجتها قليلا إلى المطالبة بقبول قرارات أستانة وتوابعها، واكتفت لاحقا بسعيها فقط إلى منع الأكراد من السيطرة على الشريط الحدودي. تسيطر تركيا، بشكل كامل، على قرار المعارضة السورية العسكرية، كون أغلب الفصائل العسكرية أصبحت تحت رعايتها، وتسيطر بشكل مباشر على إدلب ومناطق "درع الفرات" و"غصن الزيتون"، ولاحقا "نبع السلام".