الأزمات تهجّر أهل طرابلس

17 اغسطس 2019
الصورة
قتال في المدينة (محمود تركية/ فرانس برس)

الظروف المعيشية الصعبة وغياب الخدمات الأساسية تدفع بعض الأهالي إلى النزوح عن طرابلس، وقد بات الوضع الاجتماعي صعباً جداً.

يفكّر كمال فرج بالنزوح من منزله، لا بسبب الحرب التي تدور رحاها منذ إبريل/ نيسان الماضي، حين أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر حربه على العاصمة الليبية طرابلس، بل بسبب غياب أيّ سبل للحياة وصعوبة المعيشة في مدينته. وأعلنت وزارة شؤون النازحين في حكومة الوفاق في طرابلس، نهاية الشهر الماضي، أن الحرب التي شنّها حفتر على طرابلس التي ما زالت قائمة حتى الآن، تسببت في تشريد أكثر من 130 ألفاً من منازلهم، ولا سيما في مناطق جنوب العاصمة.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فقد خلّفت الحرب حتى مطلع الشهر الجاري أكثر من 1048 قتيلاً، من بينهم 106 مدنيين، في وقت أصيب 5558 شخصاً آخر. يصف فرج، المقيم في حي بئر الأسطى ميلاد في طرابلس، الأوضاع المعيشية في طرابلس بـ "الصعبة جداً". ويقول لـ "العربي الجديد": "نشترك مع النازحين في كل شيء، والاختلاف الوحيد هو أننا في منازلنا"، مضيفاً أن "من بقي في بيته يعيش ظروف الحرب يومياً، سواء نفسياً أو اقتصادياً".

وعلى الرغم من تراجع طوابير السيارات أمام محطات الوقود خلال الساعات الماضية، إلا أن الازدحام ما زال شديداً بسبب إقفال غالبية المحطات، على الرغم من أن وزارة الداخلية لم تتوقف عن إعلاناتها التي تؤكد توفر البنزين. ويقول فرج إنه احتاج إلى أربع ساعات على الأقل للوصول إلى المحطة، ما جعله يقتصد بشكل كبير في استخدام السيارة. يتابع: "قد أتفهم هلع الناس من الحرب وحرصهم على تخزين البنزين للحالات الطارئة. لكن ماذا عن الكهرباء والسيولة والمياه؟". يؤكّد فرج أن أربعة من جيرانه على الأقل في العمارة التي يسكنها، قرروا مغادرة طرابلس، إلا أنه أعرب عن استيائه بسبب أوضاعه المادية التي لم تمكنه من السفر وترك المدينة.




أما وهيبة المقرحي، التي عادت إلى منزلها في طرابلس بصحبة زوجها لجلب ما تبقى من حاجاتها المنزلية للعودة إلى مدينة مصراته حيث نزحت، فقد أكدت هي الأخرى أن ظروفها المعيشية في طرابلس أصبحت لا تُطاق. تقول إن أزمات المدينة كثيرة: "لا بنزين ولا مياه ولا كهرباء ولا سيولة. فلماذا نحن هنا؟". وعلى الرغم من أنّ الجهات الحكومية حرصت على حلحلة هذه المشاكل، إلا أن أياً منها لم يحلّ بحسب وهيبة. وكانت إدارة النهر الصناعي قد أعلنت الأربعاء الماضي بدء تدفق المياه نحو طرابلس، كما أكدت شركة الكهرباء أنها شارفت على الانتهاء من تحسين الشبكة، على أن تشهد الأيام المقبلة تحسناً كبيراً. كذلك رفعت المصارف سقف السحب الشهري، وهو ما تصفه وهيبة بـ"الضحك على الذقون". وتشير إلى أنها لم تشعر بغربة في مصراته، إذ إن غالبية جيرانها يقيمون هناك، لافتة إلى أن عدداً من الأسر الأخرى التي تعرفها عبر صديقاتها قررت السفر إلى دول أخرى، كتونس وتركيا ومصر. تقول: "لم نعد نلتفت للإعلانات الحكومية. كلما أعلنوا حل أزمة عادت بعد أيام، فالمياه انقطعت خلال أربعة أشهر خمس مرات وعلى مدى أسابيع"، مشددة على أن قطع الحاجات الأساسية كالمياه والكهرباء والبنزين دفعة واحدة وراءها يد لا تريد للناس خيراً، حسب وصفها.

ويعترف عضو لجنة الأزمة في وزارة الشؤون الاجتماعية في حكومة الوفاق خالد مسعود، بمضاعفات أزمة حرب طرابلس على المواطن. يقول: "تكوين لجنة أزمة يعني وجود مشكلة تستلزم سرعة الحل. لكن المشاكل تتراكم والإمكانيات في ظل الحرب تتضاءل". يؤكد لـ "العربي الجديد" أن كل الوزارات تتوفر على لجان أزمة، تتولى حلحلة مشاكل المواطن التي تتزايد كل يوم، مضيفاً: "ما تقدمه الحكومة في هذه الظروف الصعبة يعدّ معجزة لا يمكن لأي حكومة في وضعها تقديم مثلها". لكنه في الوقت نفسه، يقرّ بأن تلك الأزمات عامل اضطر بالكثير من المواطنين إلى النزوح.

من جهته، يرى فرج أن مناشدة الحكومة لأهالي الجنوب التدخل لحل مشكلة تدفق المياه، تتعارض مع تأكيدها قدرتها على حلحلة المشكلة. يقول: "من جانب يقرون بأن المعتدين على شبكات الكهرباء خارجون عن القانون وغير قادرين على لجمهم، ومن ناحية أخرى يؤكدون قرب صيانة الأعطال"، مشيراً إلى أن المواطن سئم تلك الوعود ولا حلّ سوى النزوح الطوعي ليوفر لأسرته ظروفاً أفضل.




ويؤكد الناشط السياسي عبد الحميد المنصوري لـ"العربي الجديد"، أن أزمات طرابلس علاقتها بالحرب علاقة حصار، مشيراً إلى أن مؤسسة النفط أكدت خلال إعلان رسمي عدم قدرتها على تسلّم الوقود وتوزيعه. ويقول: "مصدر الوقود يقع في أراض خاضعة لسيطرة حفتر، ما يعني أن من يمنع وصولها وكذلك المياه هم مسلحوه". لكن يونس شنيب، وهو مواطن من حي فشلوم في طرابلس، نزح بشكل طوعي إلى مدينة زليتن منذ مايو/ أيار الماضي، يرى أنها أسباب منطقية. يقول: "التحليل يعني أن المواطن سينتظر حتى انتصار أحد الطرفين لتحل أزمته المعيشية، وهو أمر غير معقول. لذلك، قررت الإقامة هنا حتى يأتي فرج الله". وعلى الرغم من كونه بعيداً عن الحرب، قرر الانتقال إلى مسقط رأسه في زليتن، مضيفاً: "هنا يمكن أن أضمن لأبنائي استمرار الدراسة". ويعترف شنيب بأن زليتن تعاني هي الأخرى بسبب أزمات الكهرباء والوقود والسيولة، لكنه يرى أن "الضغط النفسي الذي نعيشه في طرابلس يقلّ هنا بشكل كبير. ففي طرابلس، نعيش تحت رهبة القصف في أي وقت، وربما اتساع رقعة الحرب. لذلك، بادرت بالنزوح طوعاً وبشكل مبكر".​
تعليق: