الأزمات العالمية تدعم إمبراطورية الدولار

18 سبتمبر 2015
الصورة
زيادة جاذبية الاستثمار الأجنبي في أميركا (أرشيف/Getty)
+ الخط -

خلافاً للتوقعات قبل عامين، بشأن تضاؤل نفوذ الدولار في النظام المالي العالمي، أثبتت إمبراطورية الدولار قوتها خلال العام الجاري وأن مركزه يزداد قوة في الوظائف الرئيسية التي تصنع "عملة الاحتياط الرئيسية"، وفي تسوية الصفقات العالمية وفي سوق الصرف الأجنبي وكـ"خزين للموجودات"، وملاذاً آمناً في لحظات الاضطراب المالي والاقتصادي.

وتشير البيانات العالمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي إلى أن إمبراطورية الدولارهي التي تحكم هيكلية التمويل العالمي، حيث حاز الدولار حصة 62.9% من احتياطي العملات الصعبة عالمياً في نهاية الربع الأول من العام الجاري، أي احتياطي العملات الصعبة في البنوك المركزية العالمية. وذلك مقارنة بحصة 61% في نهاية عام 2013.

وتقدر الاحتياطات العالمية بحوالى 11.6 ترليون دولار في نهاية الربع الأول من العام الجاري، وذلك حسب إحصائيات الأخيرة الصادرة عن الصندوق.

ومنذ أزمة المال وتنفيذ سياسة "التحفيز الكمي"، التي رفعت موازنة بنك الاحتياط الأميركي من 900 مليار دولار إلى 4.5 ترليونات دولار بنهاية العام الماضي وارتفاع مديونية أميركا إلى أكثر من 100% من إجمالي الناتج الإجمالي والالتزامات المستقبلية من بنود الإنفاق غير الممولة إلى مئة ترليون دولار، ظهرت الكثير من البحوث والتحليلات التي أشارت إلى أن الدولار في طريقه إلى فقدان مركزه كعملة احتياطية عالمية.

ومما زاد هذه التكهنات النمو القوي الذي شهده الاقتصاد الصيني خلال الأعوام الماضية (فوق 7.0%) مقابل النمو الضعيف للاقتصاد الأميركي أقل من 3.0% ، وزيادة حجم الصادرات الصينية.

وكان ينظر إلى هذه العوامل السالبة على أنها ستقلل من جاذبية الدولار وربما ترفع من مكانة العملة الصينية اليوان، لتحل تدريجياً مكان الدولار، كما حدث للجنيه الاسترليني الذي كان عملة احتياط دولية قبل أن يزيحه الدولار في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

ولكن ما حدث كان عكس ذلك، فقد زادت الأزمات الأخيرة الدولار قوة، كما أثبتت الاضطرابات الأخيرة في سوق المال الصيني، وعدم قدرة الحكومة الصينية على معالجتها هشاشة اقتصاد الصين وعملتها.

وحسب الأرقام التي وردت في البحث الذي كتبه الإقتصادي الدكتور وليام تي ويلسون، فإن المستثمرون الأجانب رفعوا مشترياتهم من سندات خزانة الأميركية خلال الأعوام الماضية من 3.5 ترليون دولار إلى 6 ترليونات دولار.

ويعادل ذلك زيادة بحوالى ترليون دولار منذ بداية العقد الجاري. كما أرتفعت حصة القطاع الخاص من الديون الحكومية إلى نسبة 56%. ويقول مصرف " ستاندرد تشارترد"، أن إحتياطات البنوك المركزية والصناديق السيادية من الدولارات بلغ 11.7 ترليون دولار.

وحسب إحصائيات وزارة الخزانة الأميركية، فإن قيمة الموجودات التي يملكها أجانب في سوق المال الأميركي بنهاية العام الماضي بلغت 5.95 ترليون، وبالتالي فإن قيمة الدولار كـ"عملة إحتياط" أصبح أكثر قوة خلال القرن الجاري. يضاف إلى ذلك أن الدولار، هو العملة

المستخدمة في 87% من الصفقات التي تنفذ يومياً في سوق الصرف الأجنبي والتي تفوق 5 ترليونات دولار.

اقرأ أيضاً: 4 عوامل ترفع الدولار والمستثمرون يتدافعون للشراء

55 ترليون دولار

يستفيد الدولار في هذه القوة والنفوذ من حجم السوق الأميركي الضخم وانفتاح الأسواق المالية وتنوع المنتجات المالية التي تعرضها على المستثمرين الأجانب، مقارنة بباقي أسواق العالم.

 ويرى جونسون أندرسون من مجموعة المستشارين في الأسواق الناشئة، أن حجم الموجودات الأميركية المتاحة للمستثمرين الأجانب تصل إلى 55 ترليون دولار.

وذلك إضافة إلى موجودات قيمتها 29 ترليون دولار مصدرة بالدولار خارج أميركا. كما أن الدولار يستخدم كعملة وحيدة لتسوية 93 مليون برميل يومياً من النفط يستهلك يومياً في أسواق العالم، إضافة إلى الصفقات النفطية التي تباع في الأسواق الآجلة والذهب وبقية المعادن.

ومنذ يونيو/حزيران في العام الماضي، كسب سعر صرف الدولار حوالى 23%، ويتوقع مصرفيون أن يواصل الدولار ارتفاعه خلال العام الجاري وسط الأزمات المتوقعة في دول الاقتصادات الناشئة، وعلى رأسها الصين التي تشهد اضطراباً ضخماً في سوق المال.

ويلاحظ اقتصاديو مصرف "جي بي مورغان" الأميركي، في التقرير الصادر أخيراً، أن الشركات في الدول الناشئة تواجه ثلاثة تحديات رئيسية، سيستفيد منها الدولار، وهي انخفاض ربحية الشركات وارتفاع خدمة أعباء الديون المتراكمة، إضافة إلى هروب الأموال إلى الخارج.

مزايا يمنحها الدولار لأميركا

أولاً: يمنح الدولار مصرف الاحتياط الفدرالي ميزة ضخمة في تحقيق أرباح من الفرق بين كلفة إنتاج الأوراق الأميركية وقيمتها الحقيقية في شراء الموجودات.

وحسب الاقتصادي الدكتور ويلسون، فإن كلفة طباعة ورقة من فئة مائة دولار تقدر بحوالى 12.5 دولار (هنالك كلف غير منظورة، سوى كلفة الطباعة ونفقات بنك الاحتياط)، فيما يشتري بنك الاحتياط بهذه الورقة موجودات حقيقية من سندات بنكية أو سندات أميركية قيمتها مائة دولار. وهذا يعني أنه يحصل على أرباح نسبتها 87.5 % في كل دولار.

ثانياً: تستطيع أميركا كدولة مصدرة للدولار الاستدانة المفرطة وبنسبة فائدة منخفضة لتمويل عجز الميزانية، من دون أن يؤثر ذلك على تصنيفها الائتماني عالمياً. ومن المقدر أن يصل حجم الدين العام الأميركي 18.6 ترليون دولار بنهاية العام الجاري. مثل هذا الحجم كان يمكن أن يؤدي بأية دولة إلى الإفلاس. ولكن في المقابل فإن هذا الدين يمنح أميركا جاذبية استثمارية.

ثالثاً: يمنح الدولار قوة تنافسية للشركات الأميركية في التصدير والاستيراد والاقتراض مقارنة بالشركات الأخرى، فهي تقترض بنسبة فائدة منخفضة وأقل عرضة لتقلبات سوق الصرف العالمي.

رابعاً: يمنح ميزة تنافسية للبنوك الأميركية على منافساتها العالمية، حيث تحصل هذه البنوك على الدولار بسعر فائدة رخيص وتبيعه بسعر مرتفع، كما أنها وسيط رئيسي في جميع الصفقات المنفذة بالدولار داخل وخارج أميركا.

خامساً: يدعم مركز أميركا كقوة عظمى، حيث إن دول العالم تحتاج إلى أميركا في أوقات الأزمات المالية. ففي عام 2008، حينما حدثت أزمة المال العالمية وكانت البنوك العالمية تواجه أزمة سيولة حادة، فتح بنك الاحتياط الفدرالي خطوط ائتمان لمعظم البنوك المركزية والتجارية في أنحاء العالم.


اقرأ أيضاً: تحديات تواجه قرار الفيدرالي الأميركي رفع أسعار الفائدة

المساهمون