الأردن ودروس إضراب المعلمين المستفادة

07 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
طوى الأردن صفحة أطول إضراب في تاريخه، بدأ في 5 سبتمبر/ أيلول الماضي واستمر حتى مساء 3 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، والذي دعت إليه نقابة معلمي الأردن للمطالبة بحزمة مطالب، في مقدمتها علاوة 50% على الراتب، والتي رفضتها الحكومة، وقدّمت بدائل عنها في سلسلة مفاوضات وجولات حوارية ووساطات استمرت شهراً، لينتهي الأمر بقرار قضائي للمحكمة الإدارية العليا يقضي بوقف الإضراب، وهو ما استجابت له النقابة، مع احتفاظها بالمطالب المعيشية للمعلمين، وتبع ذلك تحقيق مطلب الاعتذار الحكومي من المعلمين على خلفية أحداث يوم الخميس، 5 سبتمبر/ أيلول الماضي، ومنحهم علاواتٍ تراوحت بين 35 و75%.
ولا يمكن قراءة المسار العام لحركة المعلمين في معزل عن ظروف الأردن في السنوات العشر الماضية، والتي رُفعت فيها شعارات عديدة، مثل محاربة الفساد، ووقف الهدر المالي، ودمج المؤسسات المستقلة، وانتخاب مجلس نوابٍ حقيقي، وتوسيع مجال الحريات، وغير ذلك من مطالب جماهيرية، وذلك كله لم يأتِ بعد، ذلك أن إصلاحاً سياسياً حقيقياً ملموساً ما زال بعيد المنال، والدولة لم تتغيّر في أدوارها، وبقي المسار العام للدولة كما هو، وظلت النخب المنتجة بماكينة "الرسمي" تمارس الأدوار نفسها، فكشف إضراب المعملين ضعفها وهشاشتها.
ما الذي ميّز إضراب المعلمين عن سواه، وقد رحلت حكومة هاني الملقي في يونيو/ حزيران 2018 تحت ضغط الإضراب النقابي الشهير في نهاية مايو/ أيار العام الماضي؟ ولماذا تعاملت أجهزة الدولة بهدوء آنذاك مع المحتجين في محيط الدوار الرابع في جبل عمّان، حيث مقر الحكومة، ولماذا تطوّعت النخب والبنوك لدعم الحالة الاحتجاجية آنذاك؟ وفي المقابل، في زمن حكومة عمر الرزاز وُجهت التهم لنقابة المعلمين بأنها تتحرّك بهوى الإخوان المسلمين، وأُنتج خطاب تحريضي ضدها، وقمعت مسيرة المعلمين إلى الدوار الرابع، واستخدمت الدولة كل أدواتها لإنهاء الإضراب؟
كشفت حركة الإضراب العام للمعلمين عن أبعاد اجتماعية كبيرة، وعن واقعٍ لا يمكن تغافله، وعن أهمية الانتخاب السليم لممثلي المعلمين، على عكس مجلس النواب. وقد غلّفت النقابة خطابها بأنه محاولة لكسر "التحالف الطبقي" الذي نهب البلاد، وهذه مفردة من خارج خطاب الإسلاميين. وأحدثت حالة توحيدية مجتمعية نادرة، جعلت المجتمع يقف خلفها، ويعيد إنتاج حالة الرفض الشعبي، ولكن بأسلوب سلميّ عنوانه الإضراب. وقد كسر هذا التنظيم الدقيق للاحتجاج والصلب الهيمنة السياسية على القطاع العام، والمنحصرة بيد الحكومات تقليدياً، وهو 
الأمر الذي تخشاه الحكومات، ولا يريد "مطبخ القرار" في الأردن العودة إليه.
وخلال شهر، مورست محاولات التوسط بين الحكومة ونقابة المعلمين، وجرت أكثر من 15 جولة حوار بين النقابة والحكومة، خمسة لقاءات منها حضرها رئيس الحكومة، وهذا تمرين ديمقراطي جيد للحكومة التي خاضت حوارين مهمين منذ تشكيلها، الأول مع النقابات بشأن قانون الضريبة، والثاني مع المعلمين ممثلين بنقابتهم، وكان حضارياً، وفيه صبر حكومي وتفهّم بأن المعلم أصبح فقيراً. وجاء موقف المجتمع متضامناً مع المعلمين، فاحتضن حركتهم التي أوجدت حالة تضامنية معها في الأطراف، على غير ما كان متوقعا. ولم تنجح الروايات المضادة بأن الإضراب محكم من خارج النقابة، كما لم تنجح الرسائل المُسرّبة ضد الحكومة في تعاملها الذي كان خلال شهر بعد الخامس من سبتمبر/أيلول محترما، ولم يكن تصعيدياً ولا عنيفاً.
كان الدرس الأردني في إدارة الأزمة، والتعامل مع قطاع حيوي توقّف عن العمل، وطنياً بامتياز، بعيداً عن لحظات التوتر في خطاب النقابة أحياناً، والذي كان يحقّق مقولة إن أي إضراب هدفه "تبخيس السلطة"، وهو ما ظهر بكلام نائب نقيب المعلمين، ناصر النواصرة، بمفردات "الفتات والدولة الغبية"، وهذا ما كان مأخذاً ومثلبة، في وقتٍ كانت حركة الإضراب تعبّر عن كتلة صلبة، أعيد اكتشافها هذه المرّة باسم المجتمع الذي ما زال ينتظر إحداث التغيير اللازم، ليكون الوطن أفضل، فبدا أنّ تقدير قوة الجمهور وثقل الأخلاق كان يحتاج إلى تعقّل 
أفضل. وفي الإطار نفسه، كشف مجتمع المعلمين عن حالة تماسكٍ كبيرة، وعن وعيٍ بالحقوق المطلبية بنهج سلميّ، وهذا درسٌ آخر قدمته النقابة الأوسع تأثيراً في الأردن، والتي تجاوزت بلاغة النخب عليها، كي لا تكون جسراً للعبور على ظهرها، لإعادة الظهور في المشهد السياسي.
فلسفة أي إضراب أن تقود الخصم إلى طاولة المفاوضات، وقد تبادل طرفا القضية، الحكومة والنقابة، تلك المسألة بوعي دقيق وطول صبر. وفي رسم ملامح الحوار الذي دار طوال شهر، اتضح أن الإضراب، في النهاية، قاد أطراف الأزمة إلى ممارسةٍ أكثر ديمقراطيةً وعقلانية، لتكريس النقابة في السلم الاجتماعي الوطني، وليس الثأر منها أمام دعوات حلّها التي نادى بها بعضهم. وبغضّ النظر عن ثنائية الحكومة ومركزية النقابة في الحالة المعاشية لجمهورها العريض، كونها راعيةً للحقوق التي يطلبونها، فالمفترض بهذه الأزمة أنها حوّلت التفاوض على الحقوق إلى يقينٍ لدى الحكومة بوجوب الانتباه إلى المجتمع بوعي وعقلانية إلى أهمية المطالب المعيشية على حساب حقائق الأرقام الاقتصادية الموجعة.
وعلى الرغم من تأخر إعلان الاتفاقية التي تنص على حقوق المعلمين التي طالبوا بها، ومنح العلاوات المطلوبة، حتى فجر يوم أمس الأحد (6/10/2019)، إلا أن الذي أنجز، عبر الاعتذار الحكومي للمعلمين، هو الأهم، كما كان التفاوض اعترافاً بالمؤسسة النقابية أكثر من أي وقت سابق. ليشهد القطاع العام مرحلة مفصلية عنوانها نجاح الموظف العام في تحقيق ذاته، وإدراكه الدور الذي يُمثله، بعيداً عن مقولات تضخيم القطاع العام والتزامات الحكومة النقدية مع المؤسسات المانحة. وفي المقابل، تنجح الحكومة في تحقيق التفاتة مهمةٍ للمعطى 
الاجتماعي في سياساتها الاقتصادية الإصلاحية. ليكون الدرس الأهم في هذا الإضراب هو نجاح الحكومة في استعادة دورها، وفي تثبيت مسؤولياتها تجاه القطاع العام لإصلاحه، وتطوير أهم قطاعات الدولة المنتجة وسبب بقائها، وهو قطاع التعليم. الأمر الذي يستوجب دراسة الصعود الاجتماعي المطلبي، والذي كان من السهل الحوار معه، عبر بوابة النقابة المنتخبة تمثيليّاً، خيراً من الحوار مع الناس في الشارع، وبالتالي تجنيب الدولة المنحى الفوضوي.
ما جرى من تراكم في الخبرة، وعلى أهميته في ملف التعليم، يؤسس لحالة احتجاجية أردنية جديدة، عنوانها تشابك كل الفئات، وانكشاف النخب السياسية، بضعفها وهامشيتها في التأثير، وتدبّر الحكومة أكثر في عبور الأزمات بسلاسة، وتجنب التراشق الإعلامي، أمام أي حركةٍ احتجاجيةٍ منظمةٍ لها كسب وتأييد مجتمعي، بالصورة التي بنى عليها المعلمون مظلوميتهم ومبرّراتهم ومطالبهم.
في الختام، أبعد الإضراب، عبر لجان النقابة ومجلسها، حالة التفكير الأحادي من طرف الحكومات في إنجاز الحلول، وبدا أن هناك سلطة مجتمعية مقابل السلطة السياسية التي تمارس إدارة الشأن العام. ولذلك تحولت الحكومة، في الأسبوع الأخير، من التعويل على كسر الإضراب وإرسال الرسائل النصية إلى الطلاب للعودة إلى المدارس، إلى ضرورة إيجاد الحل والإيمان بقوة الخصم، والاعتراف به، من خلال التفاوض الذي، وإن كان السبيل الأفضل للجلوس وجهاً لوجه بين الطرفين، إلا أنه جنّب البلاد مزيدا من التعطل والخسائر.