الأردن وتونس ولبنان وآخرون

31 أكتوبر 2019
الصورة
سلسلة بشرية على طول الساحل اللبناني (حسين بيضون/العربي الجديد)
قرأت مقالات كثيرة تناولت الوضع اللبناني بكثير من التحليل السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي. وقد انقسم الشرح إلى ثلاثة سيناريوهات. الأول متفائل يقول إن الاحتجاجات والمظاهرات في لبنان أعمق من ذلك، بل هي ثورة على القديم ونزعة خلاقة نحو إيجاد نظام لا ديني جديد، يعطي المسؤوليات ويوزع الصلاحيات حسب المقاييس العلمية الدقيقة، والكفاءة والمقدرة، بدلاً من نظام المحاصصة، والقيادات التقليدية، والتعصّبات التفتيتية الضيقة. 

ويقول السيناريو الثاني إن ما يجري في لبنان هو احتجاج على تآكل دخول الأسر وموازناتها، وتحيز التوزيع لصالح أقلية فاسدة، وسوء إدارة عامة أفضت إلى التفقير وانعدام الخدمات، أو تهلهلها من دون الحد الأدنى المقبول. وإذا ما جاءت إدارة عامة قادرة على الإصلاح، فإن الأمور ستعود إلى سيرتها السابقة، وذلك لأن لبنان، بتركيبته الاجتماعية والطائفية، لا يمكن أن تغير فيه النظام المحاصصي السائد، وإن تغيرت الوجوه.

أما السيناريو المتشائم الثالث فيعتقد أن لبنان لن يتغير، وأن ما يجري على الساحة اللبنانية هو احتجاج صادق من الشعب اللبناني، الساخط على أوضاعه السيئة، ولكنه غير قادر على تغيير القيادات، أو إخضاع حزب الله وجنوده للسلطة العامة. ولذلك ما يجري لن يؤدّي إلا إلى إعادة تخليق الوضع الحالي. ونرى أن حزب الله بقيادة السيد حسن نصر الله يؤكد أن ما يجري هو مؤامرة غربية أميركية إسرائيلية لإضعاف حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق أو وضعهما تحت سيطرة الهيئات الرسمية المناسبة. ولذلك، فإنهم يرفضون الانصياع لهذا الأمر.

وتتشابه تونس ولبنان في أمور كثيرة، فإذا ذهبت إلى مدن قرطاج وسيدي بوسعيد والحمامات وغيرها، سترى الأثر الفينيقي واضحا فيها. ويتَميّز أهل تونس البحريون بتاريخهم الفينيقي، ويبدو أن لتلك الثقافة تأثيراً قوياً في سلوك أهل البلدين من حيث حب الحياة، والرغبة في ممارستها، وفي تسامحهم في قضايا اللباس وإبراز نعم الله الجمالية، ولكنهم عند الحرب والقتال يشتدّون، ومثلما استطاع أهل تونس الانتفاض ثانيةً لمنع الحرس القديم بعد وفاة الرئيس الباجي قايد السبسي من الاستمرار، فقد نجحوا في فتح باب الترشّح للرئاسة، والتي فاز بها شخص عُرِف بالنزاهة والنظافة، وعاد ليتحدث باسم تونس العربية ذات القيم القيروانية والمندمجة مع قضايا أمتها.

حالة الأردن

أما الأردن، فنظامه منفتحٌ على العالم، ويتسع لأهل الدنيا. ولكن الأردن المكوّن من ثلاث فئات هم الأردنيون، والأردنيون من أصل فلسطيني، والسوريون والجنسيات الأخرى، متعايشون إلى قدر كبير، على الرغم من الهزات العنيفة التي واجهتهم عبر تاريخ الأردن الحديث.

ويواجه الأردن كذلك تنامي العجز في الموازنة العامة سنةً بعد أخرى. وبذلت السياسة الاقتصادية جهودها من أجل حل مشكلة الموازنة العامة، علماً أن هذه المشكلة هي في أساسها مشكلة تباطؤ معدلات التنمية وتراجع معدل دخل الفرد ومداخيل الأسر.

ومن هنا، بدأ الملك عبد الله الثاني في الضغط على حكومته من أجل تسريع التنمية، وتركز على حل مشكلات الإنتاج والتوزيع غير العادل للمداخيل والثروة، عن طريق زيادة الرواتب التي قادت مسيرة المطالبة بها نقابة المعلمين المهنية وبنجاح كبير.

وتقول الحكومة إن مقدار الدعم للمياه والكهرباء والخبز والجامعات يتجاوز 769 مليون دينار. ولذلك، عليها أن ترفع أسعار المياه والخبز. وهو أمرٌ لا يمكن أن يقبل به الناس. ويعتقد الأردنيون أن الخصخصة هي السبب في زيادة العجز في الموازنة. والواقع أن هذا غير صحيح، بل إن المدافعين عن هذا الرأي يريدون أن تبقى المؤسسات العامة التي جرى تخصيصها تحت سيطرة الحكومة، لكي تعين أبناءهم وبناتهم فيها.

أما دخل الحكومة من المطار الدولي، وشركات الاتصالات، فكبير جداً، وأما شركة البوتاس فقد ولدت شركة عربية منذ عام 1951، وشركة الفوسفات مربحة للحكومة. واتفق أن هذا الربح كان سيتحقق للحكومة بدون بيع أسهمها في هذه الشركة التعدينية. وهنالك من يقول إن الفساد في دفع رواتب مرتفعة في الدوائر المستقلة، أو في الاستيلاء على المال العام بشكل غير قانوني، هو الذي ساهم في زيادة المديونية العامة.

مشكلة اقتصادية

إذن، المشكلة في الأردن في أساسها اقتصادية، تتركز على تباين الاجتهادات في إدارة الموارد العامة للدولة، مثل الأراضي، والموارد الطبيعية، والقوى البشرية، ورأس المال المستثمر سواء الأردني أو الأجنبي منه، وفي ضعف هياكل الحكومة عن أداء عملها بشكل فعّال ومنتج، لا يتناسب مع كلفة الحكومة.

وما حالة تشبيه الأردن بما يجري في لبنان إلا لتخويف السلطة الأردنية من أن قوىً دوليةً وإقليميةً تسعى إلى فرض حل القضية الفلسطينية بتوريط الأردن في دور محفوفٍ بالمخاطر في فلسطين، أو لجعل الأردن ملاذاً للفلسطينيين الذين تسعى إسرائيل، ومن وراءها، إلى استبدالهم بمهاجرين يهود، وهذا أيضاً حل ينطوي على مخاطر في الأردن.

تضارب مصالح القوى الإقليمية، مثل إيران وتركيا وإسرائيل، ودول عظمى مثل الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، هو الذي يؤرق المستقبل الاقتصادي للأردن ولبنان والعراق وسورية. وما دام العرب مشتتين غير متفقين، لا داخلياً في الدول ذاتها، ولا إقليمياً فيما بينها، فإن عنصر المخاطرة والغموض والقلق سيبقى المهيمن على مستقبل هذه الأمة إلى أن تسترد روحها، وتعرف أن في تضامنها ووحدتها يكمن الحل الجذري لمشكلاتها وتحدّياتها.
تعليق: