الأردن.. قلق داخلي وتمائم حكومية

الأردن.. قلق داخلي وتمائم حكومية

29 مايو 2018
الصورة

علم الأردن في معرض للطيور في عمّان (27/10/2017/فرانس برس)

+ الخط -
أرسلت الحكومة الأردنية مشروع قانون ضريبة الدخل الجديد إلى مجلس النواب، وهو قانون ترى مجمل القوى الوطنية والاقتصادية أن نتائجة ستكون عكسية على الاقتصاد والاستثمار وعلى الأمن الاجتماعي؛ كونه يستهدف الطبقة الوسطى، لا بل يلغيها، بالإضافة إلى أنه سيُحيل المواطنين إلى مشروع معتقلين، بفعل العقوبات الجرمية التي سيفرضها مشروع القانون على المتخلفين عن سداد المستحقات الضريبية، علماً أنها تترتب على من لا يدفع غراماتٍ، وهي عقوبة، لكن المشروع الجديد للقانون والذي استبقه النقباء ورؤساء المهن برسالةٍ غاضبةٍ، وجهت إلى الديوان الملكي، يفرض عقوبةً مزدوجة، وبشكل غير دستوري.
المسألة الأهم في معارضة مشروع القانون تكمن في الطبقة المعارضة له، من نخبٍ اقتصادية عملت في الدولة، وتعرف مخابئ الحكومات والتفافاتها، والتي ترى أنه سوف يقوّض كل فرص الاستثمار، ويأتي بالكوارث. وكان هذا ما أشار إليه الاقتصادي والخبير الضريبي، محمد صقر، رئيس مجلس سلطة العقبة الخاصة سابقاً، والذي نشر على صفحتة في "فيسبوك" أن مسودة قانون الضريبة الجديد تؤكد أنه لم يبق ولا حافز واحد لجذب الاستثمار الأجنبي، وتؤكد انسداد الأفق لنمو الاستثمار الداخلي، وأن انتعاش سوق الأوراق المالية لن يتحقق، وأنه لا يمكن إنجاز خطة التحفيز الاقتصادية. ولم يبق إلا تخفيض سعر الدينار خلال الخمس سنوات المقبلة. وأن هجرة المستثمرين الأردنيين إلى دول لها تشريعاتها أكثر ثباتاً، وأسواقها أكبر والقدرة الشرائية لسكانها أكبر.
وقد سبق مشروع القانون أيضاً تهديد رجال أعمال بالرحيل أو الإضراب، حيث يرون أن مصالحهم باتت مهددة، وأنّ القانون جاء ليعوّض عجز الحكومة عن وقف الهدر في الإنفاق، وخصوصا في المؤسسات المستقلة، وفي جلب الفاسدين الهاربين من العدالة، وفي مقدمتهم وليد الكردي المحكوم بمبلغ يتجاوز 350 مليون دينار في قضية شركة الفوسفات.

وفي السياق نفسه، تُصعد القوى السياسية والمعارضة وأصحاب الرأي من هجمتها على الحكومة التي يرون أنها لم تنجح في ملفٍ واحد من الملفات التي أوكلت إليها. وهذه المرة، عاد النقد يستهدف عدم انسجام الحكومة التي أشارت استطلاعات الرأي إلى أنها حصلت على أدنى ثقة في تاريخ الحكومات منذ عقد ونصف العقد، وهذا ما يشير إلى اتجاه سلبي في قدرة الحكومة على إدارة الملفات الداخلية.
هنا يبرز السؤال: على ماذا تتكئ الحكومة في إرسال مشروع قانون يجرّ عليها الغضب، ويزيد الاحتقان الشعبي، في ظل حديث رئيسها، هاني الملقي، المصرّ على أنه لا يتجه إلى حصد الشعبيات، وأنه لا يضع رأسه في الرمل، وأنه يواجه الواقع بحلوله الموجعة، لكن الأردنيين سيتذكرونه لاحقاً؟
الجواب في التجارب السابقة، فحكومتا سلفه، عبدالله النسور، بين عامي (2013 - 2016) ألقت خطابات بذات اللغة، وأنها تواجه الاستحقاق الصعب، وأن البلد كان على حافة الإفلاس، وحكومة فايز الطراونه الثانية (2012- 2013) جاءت بعد استقالة حكومة عون الخصاونة الغاضبة، لتتولى التهميد للانتخابات، وتعطل من انفتاح سلفه الخصاونة على "الإخوان المسلمين". وقالت ضمناً إنها أنقذت البلد من مجلس نواب غالبيته إخوان مسلمون. وآنذاك رفعت الحكومة أسعارالكهرباء وبعض السلع، بحجة مواجهة العجز واستعادة ثقة المؤسسات المانحة بالأردن. وقد واجهت حكومة معروف البخيت الثانية (2011) قمة الغضب الشعبي في الربيع الأردني، لكنها أنقذت البلد من الانجرار إلى الفوضى، بيد أنها خرجت مكلومةً بقضية رجل الأعمال، خالد شاهين، وحكومة سمير الرفاعي (2009 -2011)، على الرغم من مقولتها إنها وفرت مالاً ورشّدت الإنفاق، إلا أنها لم تحتمل تدحرج كُرة احتجاجات المعلمين والعمال، وغضب الصحافة على مدونة السلوك الصحافي، والتي أخرجتها من المشهد؟
تبنت كل الحكومات الأردنية مقولة إنقاذ البلد، والخروج من "عنق الزجاجة"، لكن البلد في المحصلة تعمقت أزماته، وغارت جراحه واغترب أبناؤه عنه أكثر، وتزامن هذا مع وجود مجالس نيابية مهترئة، لم تنجح في تثبيت حضورها ودورها الوطني في مساءلة الحكومة، ولم ينجح أي مجلسٍ في أي مقترح ثقة بحكومة أو وزير.
بالعودة إلى رهان حكومة الملقي على تمرير مشروع قانون الانتخاب، تقول التسريبات إنها قد تلجأ إلى "مفاتيح المجلس" من النواب الذين يؤثرون على مرور مشاريع القوانين. والواضح أن مشروع هذا القانون سيذهب إلى اللجنة المالية أولاً، وتجرى المداولات عليه. وفي النهاية، سيطلب رئيس مجلس النواب التصويت، ويمر القانون أو يُردّ. وبعد هذا، في حال وافق المجلس، وهو أمر متوقع بعد تعديلاتٍ طفيفةٍ على مواد مشروع القانون، فإن رهان الناس والنقابات يبقى على إرادة الملك التي يجب أن توشح القانون، كي يصبح نافذا بعد نشره بالجريدة الرسمية. وقد يسبق التصويت على مشروع القانون لقاء بين الملك ورؤساء الكتل والمكتب الدائم، ما يرطب الأجواء بين النواب والحكومة، فيفهم ضمناً أن مشروع القانون يحظى بدعم الملك أيضاً، وليس الحكومة وحسب.
أما اللجوء إلى مفاتيح المجلس، فقد استثمرت الحكومة فيهم، حين تم التصويت على مذكرة الثقة النيابية بها في فبراير/ شباط الماضي، ونجت الحكومة من السقوط بعد تقلص عدد المانحين لها إلى 67 صوتا، من أصل 130، آنذاك نجح مفاتيح المجلس في اقتناص وظائف لأقارب ومحاسيب لهم في مقابل الترويج والدعم بالثقة للحكومة.
لا يبشر واقع حكومة الملقي، والأردن كدولة، بالخير، فعلى الرغم من نجاح المؤسسات الأمنية في إنهاء الحراك الشعبي والوقفات الاحتجاجية، لصالح الاستقرار الوطني، وليس لديمومة الحكومة، فإن الحكومة باتت عبئاً عليها في كل أزمة تمتحن بها، ليس لفقدانها الصفات الموضوعية لأي حكومة، بل لانعدام الانسجام الحكومي، على الرغم من التعديلات المتكرّرة، وجراء ما تُصاب به من الارتباك في كل أزمة، وفقدانها سرعة التدبير والعلاج، وآخرها انفجار الصوامع في العقبة. وفي كل واحدةٍ من نوائب الحكومة، تبدو تمائم الدور الرابع في
جبل عمّان (حيث مقر الحكومة) أضعف من أن تواجه تعاظم السخط الشعبي، وهي في كل مؤشرات الثقة، سواء بالاستطلاعات، أو في تصويت النواب في تراجع كبير، والبلد يفتقد القيادات في القطاعين، العام والخاص. وهناك فجوة كبيرة في الثقة تتسع يوماً بعد يوم، والدعم العربي واضح أنه في حدوده الدنيا، والحالة الاقتصادية للأفراد في تراجع، والدخل يتآكل، والفقر والبطالة في زيادة مستمرة.
تحيل هذه الواقعية البلد إلى انكشاف سياسي، في ظل حديث عن شرط أميركي لاستمرار دعمه المالي، فالاتفاق الأردني الأميركي بالدعم المالي، والذي يصل إلى مليار ومائتي مليون دولار، يتضمن في إحدى مواده أنه غير ملزم، بما يعني أن التخلي عن ديمومته وارد في أي لحظة، وإذا ما أصرّ الأردن على عناده في موضوع القدس والتسوية النهائية، فإن البلد ستزداد جراحه، ما يعني صعوبات أكثر، لكن الخبرة تقول إن قيادة البلد كلما التفت حول الشعب ربحت أكثر، وكلّما زاد الانفتاح السياسي وتعمقت الديمقراطية أمكن ضمناً عبور كوارث الإقليم بأكثر قوة وصلابة، ودرس عام 1990 ما زال حاضراً، فالحكومات ليست أغلى من الشعب، والقرار تجاه الأزمات في الإقليم يجب أن ينحاز للعقلانية والمصالح الوطنية.