الأردن.. الرزاز ومهمة شاقة مع التعليم

20 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
يُخالف رئيس الحكومة الأردنية، عمر الرزاز، من يقولون ما يقولون في مصير حكومته، بين من يرى أنّ الرجل قدّم استقالته، أو ألمح إلى ذلك، في أثناء أزمة إضراب المعلمين، ومن يراه كان متأخراً في الإنجاز الذي حصل، وكان يُمكن أن يُجنب البلاد أزمة شهر كامل، ليأتي الحل متأخراً، وكان في الوسع أن يكون أسرع وأقل كُلفة، في حين أن الرزاز كان يرى أن الكسب بالروح الإيجابية وتمرين الحوار الوطني، في دولةٍ اختارت الديمقراطية، هو الأهم، وعليها حينها أن تحتمل قوة الإضرابات والاحتجاجات والنقد، وأن تتعامل معها. وهنا يعتقد الرزاز أن هذا مكمن الرد على من عجّلوا برحيل حكومته أو بشّروا به. 
وسط هذا الحال، كان على الرجل أن يُدير أزمة نقابة المعلمين بفريقٍ لا يخلو من عُقد هيكلية، يراها المراقبون كامنة في بنية الحكومة منذ تشكيلها، ولكن الحال ربما يكون اليوم أفضل، من دون أن يعني هذا أنّ الحكومة باتت مؤمّنة من الرحيل، لكنها على الأقل أخذت نفساً يُطيل عمرها، خصوصا مع اقتراب انعقاد الدورة العادية لمجلس النواب.
وفي المُطالعة الأدائية لحكومة الرزاز التي لم تمنحها استطلاعات الرأي نتائج إيجابية، سواء عند النخب أو العينات العامة، إلا أنّ الرجل استمر، ولم يقترب من العتب والحرد السياسي، وقدّر 
الاختلاف معه شعبياً ونخبوياً، ولم يغضب من النقد، بل سمح للجميع بتناول الأداء الحكومي الخاص بفريقه. ولكن الحكومة، وفي الأزمة المتعلقة بالمعلمين، وجدت أنها تشرف على أزمةٍ ولا تديرها، لتقفز مقولة إنّ "الدولة لا تعتذر" وتخلط الأوراق، مع أنها مقولةٌ تتضمن أزمة مفاهيمية كبيرة بين الدولة والحكومة، ولكنها للأسف صارت منطق المتحدّثين، ويتحدّث بها الجميع، ليعود الرزاز، في نهاية الأزمة، مقدماً أسفه بصيغة اعتذارية.
كانت النخب في الأردن المتأثرة بالعمل مع الحكومة والمرتبطة بها، تقديماً وتصعيداً في أدوار عدّة، تدافع عن منطقٍ لا علاقة له بممارسات الحكم الرشيد أو بالمعنى الحقيقي من تشكيل الحكومات وواجب الدولة القانوني. فمن يدير العملية السياسية والخدمية هو الحكومة، وليس الدولة، بالمعنى المعنوي، أو الوظيفي للدولة. والمهم في كلّ ما جرى أن ما تحقق من اكتساب خبرات ودروس قد يكون إثرائياً، لكنها دروسٌ مؤلمة أحياناً وغنية أحياناً أخرى؛ لأنها مبنية على انكشاف قوة الضعف والتصرّف في اللحظة المناسبة.
مع وجود عامل التدخل الملكي الإيجابي، والمدافع عن الحكومة، والمطالب بمنحها فرصة أكثر، يبدو أنّ تغريدة العاهل الأردني، عبد الله الثاني، بعد الأزمة وانتظام التدريس التي عبرت عن الفرح بعودة الطلاب إلى المدارس في شقّها الأول، والتي انتقدت حالة الاستعصاء على الدولة، وأشارت إلى أجندات خارجية، أحدثت أثراً معاكساً في حينها؛ كونها تحمل مضمونين مختلفيْن، وهذا كله فسر على أنه دعم للحكومة التي لم تكد تعبر أزمة الإضراب إلا ودخلت في أزمة المناهج الجديدة التي خضعت لتأليف جديد في مناهج الرياضيات والعلوم، وترجمت عن دار نشر بريطانية، وهي برأي منتقديها "تخلو من المفاهيم المرتبطة بالبيئة والإنسان والمفاهيم السياسية التي أقرّت سابقا، وغياب الإطار العام الوطني عن المحتوى، إضافة إلى عدم ترابط الفقرات".
كانت حملة "كتبكم أعيدت إليكم" لإعادة المناهج تقوى بين صفوف المعلمين، لكن الحكومة التي عينت وزير التربية والتعليم الأسبق، عزمي محافظة، رئيسا للمجلس الأعلى للمركز الوطني لتطوير المناهج، أدركت أن هذا التعيين قد يحمل الحل، ويبعد التأزيم. والرجل يحظى بعلاقات جيدة مع مجلس نقابة المعلمين، وذو نفس مفاوض طويل وصاحب تجربة حزبية. يكتشف أنّ سلفه، رئيس الوزراء الأسبق عدنان بدران، أعطى عطاء تأليف بعض المناهج لدار نشر بريطانية، ولكن الكتب وصلت من دون أن تصل معها أدلتها التدريسية التي يجب ان تُسلم للمعلمين أولاً قبيل بدء العام الدراسي، فكان التصريح الأخير السريع بتعديل المناهج الجديدة العام المقبل، لنزع فتيل الأزمة مع وزارة التربية وجمهور المعلمين الذين أخذوا دفعة تأثير كبيرة في المجتمع بعد انتصارهم أخيرا، بإحرازهم علاوات طالبوا بها في الإضراب.
يدافع عزمي محافظة عن تأليف دار نشر بريطانية المنهاج، باعتبار أنه تأليف في العلوم 
والرياضيات، وأن المسألة علمية، ولكن الثابت من وثائق الجامعة الأردنية أن عدنان بدران نفسه ترأس، في نوفمبر/ تشرين الثاني 1973، فريقاً عربياً من عمداء كليات العلوم في الجامعات العربية لتأليف مناهج العلوم، فكانت المساهمة الأردنية في تأليف منهاج التدريس لدول عربية. فما الداعي أن يحيل رئيس الفريق العربي، بعد نحو نصف قرن، العطاء على دار نشر بريطانية؟ ثمّ لماذا تجنب التواصل مع وزارة التربية والتعليم طوال رئاسته المركز، وما هي قصة الرسالة التي بعث بها رئيس مجمع اللغة العربية، المثقف والسياسي ووزير التعليم الأسبق خالد الكركي، إلى بدران معلناً فيها انحيازه لفرق التأليف الذي استقال قبل شهور، كون المناهج تشهد خللاً، ذلك كله عجّل بإبعاد بدران، واستقدام محافظة، غير أن ما جرى يعكس تخبطا كبيرا في الملف برمّته.
لم تقف المسألة عند هذا الحد، بل أعادت الحكومة الخبير التربوي ذوقان عبيدات، الذي تزعّم التيار النقدي التربوي للمناهج الجديدة والقديمة، إلى المركز الوطني، بعدما فُصل منه، وبعدما اختارت مديرة المركز الوطني للمناهج الحالية بثّ التهم ضد الرجل وفريقه الذي خرج معه باعتبارهم "تسللوا" إلى المركز في غفلة، وبلغة غير تربوية، وهذا كلام قيل في حضور وزير حكومي عامل، تحفّظ على اللغة والأسلوب، في لقاء مع مجموعة كتاب وصحافيين.
يعني ذلك كله أن أزمة التعليم لم تبرح مكانها، وأمام الرزاز جهد كبير في إصلاح الجامعات التي أخفق كثيرون من قياداتها ورؤساء مجالس أمنائها الذين يعملون تنفيذيين في جامعات خاصة، ما يعني تضارب المصالح الواضح والجليّ، وحصول الرزاز على ضوء أخضر ملكي لإجراء تغيير في الجامعات، معناه أنّ الحكومة قد يطول تعديلها، وأنها باقية لإنفاذ بقية مهامها.