الأخبار في زمن كورونا: الصحف الأميركية تراجع خياراتها

16 ابريل 2020
الصورة
توجه "نيويورك تايمز" نحو المحتوى المدفوع أثمر (سبنسر بلات/Getty)
تحاول الصحافة الأميركية استكشاف طريقها للنجاة من فيروس كورونا الذي ضرب القطاع، مراجعةً خياراتها ومدققةً في تجاربها السابقة لعلّها تساعدها في رسم ملامح المستقبل وسط الحاضر الضبابي. مجلة "نيو يوركر" بادرت إلى استعراض الخيارات والتجارب أخيراً، في تقرير مطوّل عنوانه "مصير الأخبار في عصر فيروس كورونا"، متسائلة عمّا إذا كان النظام الإعلامي الهشّ في الولايات المتحدة سيصمد أمام الوباء، خاصة إذا ما علمنا أن صحيفة من كل خمس صحف أميركية أغلقت بين عامي 2004 و2018.

ركزت "نيو يوركر" على تجربة صحيفة "نيويورك تايمز" بعد الأزمة المالية التي شهدها العالم عام 2008، كمدخل لفهم الأوضاع الحالية والحلول الممكن اعتمادها. عام 2009، وجد المسؤولون التنفيذيون في الصحيفة الأميركية أنفسهم وسط معضلة معقدة: هل عليهم اعتماد نظام الدفع مقابل الدخول أي حصر المحتوى بالقراء الذين يدفعون اشتراكاتهم؟ استعداد الأشخاص للدفع مقابل المحتوى لم يكن واضحاً حينها إطلاقاً، وإقدام "نيويورك تايمز" على هذه المغامرة قد يخاطر بخسارة جمهورها الرقمي الواسع. لكن عائدات الإعلانات كانت تنخفض في الأعداد الورقية والنسخ الرقمية، والصحيفة كانت في حاجة ماسّة إلى مصدر جديد للدخل.

شكل ناشر الصحيفة حينها، آرثر سولتزبرغر جونيور، لجاناً داخلية، ووظف مستشارين من خارج "نيويورك تايمز". في الوقت نفسه، استدانت الإدارة 250 مليون دولار أميركي من الملياردير المكسيكي كارلوس سليم، وقلصت حجم غرف التحرير، وخفضت الأرباح المدفوعة لأفراد عائلة سولتزبرغر. وفي اجتماع أخير، قدم الطرفان وجهتي النظر، وأيد سولتزبرغر من طالبوا بفرض بدل مالي. في 28 مارس/آذار عام 2011، دشنت "نيويورك تايمز" نظام الاشتراك المعدود، أي أن القرّاء قادرون على تصفح عشرين مقالة شهرياً مجاناً، وإن احتاجوا إلى المزيد عليهم الاشتراك. في مقالة نشرتها الصحيفة الأميركية قبل اعتماد نظامها الجديد، أوضح سولتزبرغر والرئيسة التنفيذية حينها، جانيت روبنسون، أن اهتمامهما منصب على مستقبل الصحيفة، أي "إن كان الرهان سيؤتي ثماره لاحقاً".

بعد تسع سنوات تبين أن الرهان كان رابحاً. تجذب الصحيفة حالياً أكثر من 5 ملايين مشترك، وتضم غرفتها التحريرية أكثر من 1700 صحافي. وتبعت مؤسسات إعلامية عدة خطاها، مثل صحيفة "واشنطن بوست" في 2013 ومجلة "نيو يوركر" في 2014 ومجلة "ذي أتلانتيك" في 2019. خلال السنوات الأخيرة، أصبحت "نيويورك تايمز" أكثر تشدداً إزاء تطبيق نظامها، فقلصت عدد المقالات المتاحة للقراءة مجاناً، أملاً في إقناع المزيد من قرائها بالاشتراك. مجلة "نيو يوركر" اعتمدت الاستراتيجية نفسها. التحول نحو نظام الدفع مقابل الدخول ترك أثراً إيجابياً على الصحافة؛ بدلاً من ملاحقة آخر الاهتمامات عبر محركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعي، استطاعت الصحف التركيز على محتوى يستحق الدفع مقابله، والاستثمار في إنجاز التقارير المميزة. 


في المقابل، حاولت مواقع إخبارية رقمية بارزة مثل "بازفيد" و"فايس" و"هاف بوست" و"ماشابل" العثور على نماذج عملية يمكنها الاعتماد عليها. الكثير من الشركات المذكورة استقطبت ملايين الدولارات الأميركية إلى مشاريعها، وأسست غرفاً تحريرية كبيرة، لكنها كافحت للنجاح. ويعود سبب ذلك جزئياً إلى استحواذ شركتي "فيسبوك" و"غوغل" على معظم إيرادات الإعلانات الرقمية. بعض المواقع أجبر على الإقفال، والبعض الآخر خفض عدد الموظفين. 

من جهة ثانية، هناك مواقع إخبارية مجانية تجذب عدداً ضخماً من القراء، أبرزها "سي إن إن" و"فوكس" اللتان تجذبان أكثر من مليون زائر شهرياً. لكن الأخبار على المواقع من هذا النوع تميل إلى أن تكون خفيفة، وتركز على السرعة لا الجودة.

هل يعني ذلك أن نظام الدفع مقابل المحتوى الصحافي مثالي؟ بيّن تقرير صدر العام الماضي عن "معهد رويترز لدراسة الصحافة" أن نسبة من يدفعون مقابل الأخبار عبر الإنترنت في الولايات المتحدة لا تتعدى 16 في المائة. في كتابه "أخبار عاجلة" (2018) قال رئيس التحرير السابق في "ذا غارديان"، ألان راسبريدجر، إن الصحيفة البريطانية ناقشت مطولاً اعتماد نظام الدفع مقابل الدخول، لكن آخرين عارضوا الأمر، لتخوفهم من حصر المعلومات والتقارير الأفضل بالنخبة القادرة على الدفع، ما لا يترك سوى "الفضلات" للآخرين. 

أخيراً أعلن رئيس تحرير موقع "بازفيد نيوز" بن سميث، ورئيسة تحرير موقع "هاف بوست" ليديا بولغرين، عن تنحيهما عن منصبيها. سميث اتجه نحو كتابة عمود صحافي في "نيويورك تايمز"، وبولغرين لرئاسة المحتوى في شركة "غيمليت ميديا". أيام قليلة فصلت بين إعلانيهما، ما عدته "نيو يوركر" انعطافاً في قطاع الصحافة الرقمية. خلال فترة عملها في "هاف بوست" المجاني، حولت بولغرين غرفة الأخبار التي تضم نحو 300 شخص نحو إنتاج المزيد من التقارير الأصلية. في "بازفيد نيوز" المدعومة بالإعلانات أيضاً، قاد سميث فريق المحررين المكون من نحو مائتي شخص، وشكل فريقاً استقصائياً لفت الانتباه بالوصول مرتين إلى الترشيحات النهائية لجائزة "بوليتزر". وعلى الرغم من جذب عشرات الملايين من القراء، فالموقعان واجها ضغوطاً مالية كبيرة؛ عام 2019، سرحت "بازفيد" 15 في المائة من موظفيها. خلال العام نفسه، فرضت شركة "فيريزون ميديا"، المالكة لـ"هاف بوست"، تخفيضاً نسبته 7 في المائة في كل المنصات التابعة لها التي تشمل "إيه أو إل" و"ياهوو!" و"تِك كرنش".

في حديثها لـ"نيو يوركر" أوضحت بولغرين أن أحد أسباب تخليها عن منصبها في "هاف بوست" استياؤها من نوعية الأخبار المتاحة أمام العامّة، ووصفت قراء الصحف الإخبارية العريقة بـ"الأكثر ثراء وثقافة"، مشددة على أنها أرادت العمل في مجال الأخبار الرقمية "من أجل الأشخاص الذين لن يتمكنوا من أن يصبحوا مشتركين في (نيويورك تايمز)". بولغرين كتبت أيضاً مقالة في "ذا غارديان"، العام الماضي، حذرت فيها من "انهيار نظام المعلومات".

هذا المسار المتعرّج للصحافة الرقمية في السنوات الأخيرة هو تحديداً ما يجعل مستقبل صناعة الأخبار (كغيره من القطاعات) في الولايات المتحدة الأميركية غير واضح المعالم، لذلك تطرح "نيو يوركر" سؤالاً حول مَن مِن المؤسسات الإخبارية سيصمد، وكيف ستُعاد هيكلة هذه الصناعة كاملةً، لكن المجلة لا تقدّم إجابات، فكل شيء مرهون بمسار الأيام والأسابيع المقبلة.