الأحدب والكاتدرائية.. الحكاية والرواية

19 ابريل 2019
الصورة

غلاف طبعة فرنسية من "نوتردام باريس" في 1883(Getty)

+ الخط -
سمّى فيكتور هوغو (1802 – 1885) روايته "نوتردام باريس". ولكن ناشريها ومترجميها، ومخرجيها أفلاما ومسرحياتٍ وأوبريتات، أرادوا لها اسم "أحدب نوتردام". ليس هذا الاعتداء الوحيد عليها، بل إن ترجماتٍ كثيرةً إلى لغاتٍ عديدةً لهذه الرواية الرفيعة القيمة، والبالغة الرواج، قليلٌ منها نقلها كاملةً. ومارس مترجمون وناشرون عربٌ على هذه الرواية اعتداءاتٍ مهولةً، ليس فقط بالتعجّل في رمي ترجماتٍ رديئة (مسلوقة؟) لها، في طبعاتٍ بيروتيةٍ وقاهريةٍ غالبا، كانت (وما زالت؟) تُباع على الأرصفة أحيانا، وإنما أيضا بحذف أجزاء ليست قليلةً من الرواية الأصل. وصاحب هذه الكلمات ممن قرأوا في يفاعتهم "أحدب نوتردام"، في نسخةٍ من تلك المنشورات، قبل أن يطالع ترجمةً أصدرتها دار نشر في بيروت في 2007، وادّعت أنها كاملة (418 صفحة)، فيما هي ليست كذلك، إذ لم يحفل المترجم بصفحاتٍ كثيرةٍ في النص الأصلي، جاء فيها هوغو على تاريخ باريس وكنيسة نوتردام وسياسة الملك لويس الحادي عشر. أما أمانة هذه الترجمة وحرفيتها، فأهل الاختصاص الأدرى بهما. وتاليا، أصدرت وزارة الثقافة السورية، في دمشق في 2010، ترجمةً للرواية كاملةً إلى العربية (للمرة الأولى)، وبعنوانها "نوتردام باريس"، في نحو 900 صفحة، أنجزها المترجم السوري المجتهد زياد العودة. ولأن هذه الطبعة لم تحرز الذيوع، لم يقرأ العرب رواية هوغو بلغتهم تماما، وليست "أحدب نوتردام" التي قرأناها فتيةً يافعين، ثم في طبعاتٍ أفضل وترجماتٍ أحسن، هي التي كتبها فيكتور هوغو.
اعتداءٌ آخر جرى على الرواية أن طبعاتٍ منها صدرت للفتيان، تم فيها تغيير وقائع، وتعديلٌ في نهايتها التي صارت سعيدةً، فيما كتبها الكاتب الفرنسي الشهير مأساويةً وحزينة. صنعت هذا شركة والت ديزني التي أنتجت أفلام كرتون "تصرّفت" في "أحدب نوتردام"، بدعوى الاستلهام والاستيحاء، الأمر الذي لم يُلغِ اسم فيكتور هوغو عن أغلفة الكتب التي صدرت، بالعربية مثلا، بالكيفية التي أرادتها الشركة العالمية. وقد فعل واحدٌ من الأفلام السينمائية (أكثر من عشرة ربما)، والتي توالت عن الرواية، منذ العشرينيات في القرن الماضي، شيئا شبيها، في نهايتها. ومعروفٌ أن من هذه الأعمال السينمائية ما جاء باهرا، في مشهدياتها، وأيضا في أداء النجوم، تشارلز لوتون (1939) وأنطوني كوين (1956) وأنطوني هوبكنز (1982)، وأخيرا، في 1997، سلمى حايك التي تبرّع زوجها الملياردير الفرنسي، فرانسوا هنري بينو، بمائة مليون يورو لإعادة ترميم كاتدرائية نوتردام بعد احتراقها الثلاثاء الماضي. وهو الحادثُ الذي يسوّغ مناسبة كتابة هذه الأسطر عن الرواية التي لولا الأحدبُ فيها، وكاتبُها فيكتور هوغو، ما حازت الكاتدرائية شهرتَها العالمية، وربما ما كانت مقاديرُ الأسى التي اجتاحت الملايين في أرباع الأرض مهولةً، كما رأينا بعد الحريق.
ما الذي جعل كثيرين من ناشري "نوتردام باريس" ومترجميها، يصدرونها ناقصةً عن صفحاتها التسعمائة؟ ولماذا كل هذا الولع بهذا العمل الكلاسيكي، ذي الأنفاس التاريخية العتيقة، لدى صنّاع السينما والدراما والمسرح (لم يكترث العرب بها هنا!)؟.. إنها الحكاية وليست الرواية، الحدّوتة وليس مبناها السردي الذي أقامه هوغو. ثمّة شخصية الأحدب كوازيمودو، البالغة الدرامية، والمشحونة بفائضٍ من الأبعاد، يتركها المؤلف، ولا يأخذها عنوانا لروايته الرائقة. لا يجوز له هذا، أن يختار الكاتدرائية ومدينتها باريس، ويترك هذا المخلوق الحي، الأعرج الأعور اللقيط، والذي حضر في الرواية محبّا ومحبوبا لغجريةٍ حسناء. ثمّة جمالٌ طافحٌ في روح هذا الأحدب الذي يقرع أجراس الكاتدرائية، وثمّة بحثٌ عن العدالة وجوهرها. .. هذا كله، وغيرُه، حاضرٌ في الحكاية، المثيرة، الممتعة، المسلية، الموحية. هو حاضرٌ طبعا في الرواية، ولكن مجدولا مع سردٍ مسترسلٍ عن الكاتدرائية ومعمارها، وعن باريس، وعن حكّام ومحكومين.. وكل هذا لا يعود مهمّا مع الانشداد إلى الحكاية القصة، المُراد أن تُطبع وتُقرأ وتُحكى وتُشاهد. رأى بلزاك "نوتردام باريس" كتابا "مضجرا، مليئا بتصنّعٍ في معرفة الهندسة المعمارية". تُرى، هل كانت ستُضجرنا "أحدب نوتردام"، ونأنف منها، ازورارا عن حجمها الأصلي الكبير، وعن الحكي المدرسي فيها عن تاريخٍ من القرن الخامس عشر لا يعنينا، لو فعلها الناشرون، وكانوا أمينين في تأمينها قدّامنا؟