الأثر المُرْتَد

26 سبتمبر 2019
الصورة
محطة وقود بالولايات المتحدة (Getty)

عند الأبروجينز، أو سكان أستراليا الأصليين، وسيلة صيد يسمونها "البوميرانج"، وهي قطعة خشب مسطحة ومنحنية بطريقةٍ تجعلها، بعد قذفها في الهواء، ترتد إلى صاحبها وتعود إليه.

وهكذا كانوا يصيدون الطيور خصوصا، ولا تكبدهم فقدان السلاح الذي استعملوه في الصيد.
ولكن علماء السياسة الاجتماعيين يستخدمون المصطلح بعد إضافة كلمة أثر أو "effect"، فيصبح المصطلح باللغة الإنكليزية هو "Boomerang effect"، أو الأثر المرتد بالعربية، ويعني تحديداً، في مفهوم علم السياسة الاجتماعي، أن تسعى إلى معالجة ظاهرة بهدف احتوائها فترتد على حاملها بنتيجة معاكسة لما كان يقصده.

وقد برزت هذه الظاهرة بشكل قوي إبّان الربيع العربي، حيث جاءت وسائل الاحتواء للتظاهرات التي جابت شوارع تونس ومدنها بعكس ما قُصِد منها، وسقط نظام حكم زين العابدين بن علي. وحصل الأمر نفسه في مصر، وانتهى بنهاية حكم الرئيس حسني مبارك. وقس على ذلك في ليبيا واليمن، حيث سقط نظاما معمر القذافي وعلي عبدالله صالح على التوالي.

ومن الطريف أن الناطق العسكري السعودي الذي شرح آثار الهجوم على منشأتي نفط لشركة أرامكو للصحافيين أكد لهم أن الأسلحة فيها مدخلات إيرانية كثيرة، وأن صاروخ "يا علي"، الذي لم ينفجر كان أكبر دليل. وذكّرنا بأدبيات عام 1967 عندما قال بعضهم مازحاً إننا توقعنا أن تأتينا إسرائيل من الغرب والشمال، ولكنها أتت من الجنوب والشرق، وذلك عندما صرّح أن الطائرة المسيّرة أتت من الشمال، بينما كانت الجهات العسكرية السعودية تتوقع إن حصل هذا الهجوم أن يأتي من الجنوب.

ولكن التصريح الأكثر لفتاً للنظر كان القول إن التدخل الإيراني، حسب رأي الناطق العسكري السعودي، يعتبر اعتداء على العالم كله، لأنه هبّط بإنتاج النفط، وأدى إلى رفع الأسعار، فإذا كان هذا هو المبرّر لاعتبار الهجوم عملاً عسكرياً ضد أمن العالم، فإن أي محاولةٍ لرفع أسعار النفط عن طريق تقليل الإنتاج يمكن اعتبارها، قياساً على ذلك، عملاً حربياً ضد العالم بأسره.

وقد سعى التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية إلى إقصاء الحوثيين الذين استولوا على صنعاء العاصمة ومدن مهمة في الشطر الشمالي من اليمن، ولكن الرياح لم تجرِ بما تشتهيه المملكة العربية السعودية.

وجاء الهجوم على مرافق نفطية في إبقيق وهجرة خريص دليلاً واضحاً على عدم نجاعة المحاولات لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع أزمة الحوثي.

ومما يلفت النظر أن المملكة كانت تسعى، عبر وزير نفطها الجديد، الأمير عبدالعزيز بن سلمان، إلى تقليل الإنتاج كي ترتفع أسعار النفط، وهو أمر كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يعارضه بشدة، مثلما كان يتهم رئيس البنك الفيدرالي الاحتياطي بأنه يسعى إلى تدمير الاقتصاد الأميركي لإصراره على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة.

وبعد انفجارات يوم الجمعة، 13 سبتمبر/ أيلول الجاري، رأينا أسعار النفط ترتفع بنسبة 20%، قبل أن تهدأ وتعود إلى 15%. ولمّا فتحت الأسواق الآسيوية صباح الإثنين، أو مساء الأحد في نيويورك، انخفضت الأسعار إلى دون 64 دولاراً للبرميل من مزيج برنت. 

وتسمّى ظاهرة ردة الفعل الأولى "overshooting"، أو ظاهرة رقاص الساعة "Pendulum effect". ولكن حركة البندول تعود إلى التباطؤ.

وبفعل الهجوم الذي تبنّته حركة الحوثي، ارتفعت الأسعار إلى أكثر مما كانت تريد المملكة العربية السعودية، ولكن ليس بهذه الطريقة.

أما الأسواق العالمية، فمن المتوقع أن تميل إلى الاستقرار مدة شهر، لأن أسعار الفوائد الأميركية خفضت بربع نقطة مئوية، وسوف تخفض مرة ثانية في نهاية العام الحالي.

وكذلك، فإن مفاجآت النفط سوف تقل، وإذا عادت المفاوضات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، ونجح رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، في الوصول إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي بشأن انسحاب بلاده (بريكست).

ومن الواضح أن هذه التوقعات بهدوء أسعار النفط ستبقى أسيرة بمحاولات الاحتواء والاحتواء المتبادل من الدول الأخرى. وإذا استمر الحال على هذا المنوال، سنرى أسواقاً صاعدة هابطة، من دون أن يدري أحد كيف يتعامل معها أو بأي اتجاه تشير أسهمها.