الأبراج العاجية

13 مارس 2019
أصبح لزاما على النخبة المثقفة توحيد صفوفها والاصطفاف صفا واحد دونما افتراق أو انفصال، لأن الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية وغيرها التي يسبر أغوارها المثقف تتطلب تظافر الجميع زرافات كانوا أو وحدانا لكي لا نبقى نعاني من ثنائية المثقف التقليدي والعضوي، التي أضحت مبعث اهتمام مثير في هذه الآونة الأخيرة من قبل المهتمين بحقل الثقافة، رغم أن إشكالية العضويين والتقليديين مضى عليها ردح طويل من الزمن، حيث تم اكتشاف هذين المفهومين مع صاحب دفاتر في السجن "أنطونيو غرامشي" الذي صاغ مصطلحين أحدثا هزة ثقافية ما زال ارتجاجها قائما إلى الآن، إذ نتج عنها تنابز بالألقاب بين أهل الدار.

فإذا كان المثقف العضوي حسب غرامشي هو الذي يشارك هموم مجتمعه ويشاطر أفراد بيئته في كل ما يعتمل من أحداث وقضايا حتى تتسنى له معرفة هم الناس -وذلك لكي يظل مثقفا حقيقا ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- فإن هناك أيضاً مثقفاً آخر تقليدياً على حد تعبير "أنطونيو" الذي عرف هذا الصنف بأنه هو ذلك الذي يبقى منعزلا عن الناس والقضايا الآنية والساخنة التي تحركهم وتستحوذ على حيز واسع من تفكيرهم وتشغل بالهم، وهذا الصنف من المثقفين لا يهتز له ساكن ولا يبدي رأياً، سواء أكان حصيفاً أو سفيهاً أو غيره، قد ينم عن اهتمامه بحال وأحوال المجتمع الذي هو سليله في آخر المطاف.


والأنكى أن بعض أهل الثقافة ما زالوا لا يعرفون بعد أي طينة ينتمون إليها، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فقد يعتبرون من أولئك الانتهازيين الذين يتحينون الفرص بصبر لا حدود له، وما إن يميزوا الرابح من الخاسر حتى يعلنون انضمامهم لذلك الطرف أو ذاك؛ وهذا يبقى أخطر نوع على العامة والنخبة المثقفة الحقيقية أيضا.

والأدهى من ذلك أن هناك مثقفين "لا" يكتبون سطرا واحدا في مجال تخصصهم، فبالأحرى أن يكتبوا حول واقعهم المعيش وهذا ينم على قصور بالكاد نعرف تشخيصه، كسل هو أم تهاون وفتور يحوم حول جسد هذا المثقف الهزيل، فعندما تكتشف أن بعض هؤلاء يمتهنون العديد من المهن التي تبقى بعيدة كل البعد عن البحث العلمي والأكاديمي، فما عليك ساعتها إلا أن تقيم مأتما وعويلا على أهل الثقافة برمتهم، ومن خلال ذلك يستشف أن هناك فئة محسوبة على الجسم الثقافي لا تغني ولا تسمن من جوع هذا المجال، ورغم ذلك تدعي غيرتها على مال وأوضاع المجتمع.

المجتمع يريد فئة مثقفة تدافع عن مصالحه وتركن إلى جانبه في السراء والضراء، لأن المثقف في نظر غالبية الناس هو الذي يحمل نبراساً ومشكاة ينير بهما الظلمة الحالكة حتى تستطيع العامة المضي والسير دون تعثر وتعرقل، فإذا لم يحترق هذا المثقف فمن سينير الطريق إذن، لا سيما حينما طفا مؤخرا على السطح معتوهون ورويبضة، استولوا على الساحة الثقافية وشدوا وثاقها بإحكام شديد، ما جعل المثقف بنوعيه أحيانا التقليدي والعضوي يظل قابعا ورادحا في ركن قصي لا يخرج عن بكرة أبيه إلا لماما أو للضرورة.

من نافلة القول اعتبار المثقف شماعة تعلق عليها الخيبات والإخفاقات المتتالية، وهذا غيض من فيض طبعا، لكن لا نحمل المثقفين طاقة أكبر من جهدهم، فلا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها، لكن ما يسود داخل كل مجتمع من رواج غفير في ميادين شتى لا يغوي ذلك المثقف الذي لا يريد الانضواء أو حتى الاندفان في صف الجماهير التي تعبت أيما تعب وهي تحاول التزلف إليه غير ما مرة لكي تستدرجه بغية أن يعبر هو بلسانه عنها، لأن الناس ذاقت قرفا من أولئك الذين انتحلوا صفة المثقفين وأصبحوا بين عشية وضحاها يعتلون منصة الثقافة، بينما بعض من أصحاب هذه الأخيرة يترفلون في الأبراج العاجية.