الآن لم تعد هناك مدينة

08 يوليو 2020
الصورة
آدم غاشي

يمثل آدم غاشي الجيل المخضرم من شعراء كوسوفو؛ أولئك الذين وُلدوا في يوغوسلافيا التيتوية وتلقوّا تكوينهم الثقافي الأول ضمن مدارسها، ثم عاشوا تقلّبات السياسة وخيارات الهوية في العقود اللاحقة. مع نهاية يوغوسلافيا، خبَرَ سجون عهد مجرم الحرب سلوبودان ميلوشيفيتش (1989-1999)، الذي ألغى الكيانية الكوسوفية كوحدة فيدرالية مؤسِّسة للاتحاد اليوغوسلافي، وصولاً إلى الاستقلال وخيباته، وهو ما ينعكس في مجمل أعماله.

ولد آدم غاشي عام 1953 في قرية في منطقة درنيتسا الكوسوفية، وتخرّج من قسم اللغة الألبانية وأدبها في 1978. اشتغل أولاً في "تلفزيون كوسوفو"، ولكنه اعتقل في 1982 وقضى سنوات في السجن ثم مُنع من العمل والنشر، مما اضطرّه للنشر بأسماء مستعارة. انتقل إلى ألبانيا المجاورة للعمل حيث أصبح مديراً للقناة الفضائية الألبانية (1996-1999). 

بعد حرب 1999 وإرساء الإدارة الدولية في كوسوفو، برز آدم غاشي بقوة في المجال الثقافي. ففي 1999 أصبح مديراً للتلفزيون الكوسوفي وانتخب رئيساً لاتحاد الكتاب لدورتين (2001-2005)، وأسّس الفرع الكوسوفي لنادي القلم (بن) في 2002 وبعد استقلال كوسوفو (2008) عمل مديراً للاتصال في وزارة التجارة حتى تقاعده في 2018. 

لفت غاشي نظر النقاد إليه منذ مجموعته الشعرية الأولى "دون مظلّة" (1982) والثانية "تمهيداً لسيرتي الذاتية" ليستمر بعدها في إصداراته الشعرية التي وصلت إلى 15 مجموعة آخرها "الأنطولوجيا السوداء" (2019). وبالإضافة إلى الشعر نشر غاشي ثلاث مجموعات قصصية: "وفاة العم"(1987) و"حمامة السّلام" (1989) و"السّفر الأخير"(2002)، وروايتين: "من الألف إلى الياء: بروق تشرين الثاني" (2005) و"اليوم الأخير للحياة" (2013).

حظي شعر آدم غاشي بترجمات عدة إلى لغات مثل الإنكليزية والألمانية والفنلندية والتركية والرومانية والصربية والكرواتية، وهذه أول إطلالة له في العربية.


اكتشاف الأطلانطس

في البدء كان يسود الاعتقاد
بوجود الأطلانطس
في وقتٍ ما في مكان ما

استمرّ اللغز في مسار الحياة
أصبح عبئاً على الإنسانية
تواصل التنقيب عنها في الزمان والمكان

أخذت تَظهر وتَختفي
ظلال الشكّ

حيرة الكوكب مَرَضٌ:
في البدء كان الفكر

بحثوا عنها في قاع البحار والمحيطات
في عظام الأرض الموبوءة 
ولم يبق مكان لم يبحثوا فيه
من بدء بداية الزمن
إلى آخرة نهاية الزمن
لأنّ المجال كان ضيقاً جداً

في أحد الأيام
أعلن الأطباء عن خبر مفاجئ
أن الأطلنطس مجرّد كابوس
لا شيء آخر

لم يجدوا أيّ أساسات أو آثار
في أيّ مكان

في ما بعد وصلوا إلى أعماق بحر متجمّد
بحر مالح
بحر ميّت
حين كانت الحياة تفشل فينا
في أعماق بحر أصفر
بحر أسود
بحر أحمر،

والبحر الأزرق...

أخيراً أقرّوا بالفشل
عادوا لأنفسهم
بحثوا عميقاً في ضمائرهم
التي لم توجد أبداً
في بداية البدايات
فلسطين

علماء آثار الآلام عبثاً يحاولون 
إخفاء جروح الأرض
يلحسون تضاريس الأرض التي يغطّيها الشيب

في بعد جديد للزمان والمكان 
يحدث الآن نزيف دم لشعب
دون تعليق من الطب الحديث

في كل مكان
في عمق الضمير الإنساني 

في البدء كان العمل ثم التفكير في اللغز
لأن الضمير كان قد سقط
في متاهات الأطلانطس

(من مجموعة "تمهيدا لسيرتي الذاتية"، بريشتينا (ريلنديا) - 1985) 


■ ■ ■


مدينة

في وقت ما
كانت هناك مدينة حيّة
بكلّ شيء، بأطفالها في الشوارع
يمرحون ويبتسمون

كانت هناك مدينة
حتى البارحة
ولم تعد موجودة

الآن الحطام في كلّ مكان
قد يبدو جروٌ مجروح يجرجر نفسه
لوحة يختلط فيها الدماء والغبار

لوحة معبّرة في أروقة الأمم المتحدة
حيث السّادة 
يتفاوضون حول السلام

التفاوض حول السلام
يأتي بعد قتل الأبرياء
بعد تغميس ابتسامات الأطفال
بالدم

في وقت ما
كانت مدينة
حيث كانت الحياة تفور على السطح
الآن لم تعد هناك مدينة
هناك سلام !

حلب، كانون الأول 2017


■ ■ ■


مشهد مع السجانين خلال الاحتلال

ها أنذا أمدّ يديّ
ضعوا القيود
متعتكم معاناة لي
انظروا الآن بعناية
يَدُ مَنْ ترتجف؟

هاهاهاهاها

تنظرون إلى وجوه بعضكم البعض المكفهرة
هل هذا معتوه أم سكران؟

********

نحن هنا لا نموت بل نَنْفق
في ضباب أسود

نحن لا نصبح أبطالاً
ولا شهداء 
بل باسطرما مدخَّنة للحشرات والديدان

ربما أذنبنا بحقّ الشمس
بحقّ القمر، بحق السماوات والنجوم
ربما أزعجنا آلهة السلطة

الآلهة؟
"قليلاً من النور..قليلاً من النور"
لا بل قليلاً من الهواء
لأجل النبتة، الوردة والورقة
ربما ننقذُ الإنسانَ والنحلة
إذا لم يفتْ الوقتُ بعد
للخروج من متاهات جهنم

(من ديوان "غزالة شاردة في الشتاء"، بريشتينا (ارماجدون) 2018) 


* تقديم وترجمة عن الألبانية: محمد م. الأرناؤوط