اغتيال مازن فقهاء: إسرائيل تستكمل تصفية قادة المقاومة؟

26 مارس 2017
الصورة
من تشييع فقهاء في غزة أمس(عبد الحكيم أبو رياش)
مساء الجمعة، وفي قلب حيّ تل الهوا الراقي جنوبي مدينة غزة، اغتيل القائد في كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكرية لحركة "حماس"، مازن فقهاء، وهو أسير محرر في صفقة "وفاء الأحرار" في عام 2011، ومنذ إطلاقه عادت إسرائيل لاتهامه بالمسؤولية عن خلايا "حماس" العسكرية في الضفة الغربية، وإدارتها من القطاع. كل أصابع الاتهام، من التحقيقات الأولية التي أجرتها الأجهزة الأمنية، وأمن المقاومة، أشارت إلى عملية اغتيال محكمة، على غرار ما جرى أخيراً مع القائد في "القسام" محمد الزواري، الذي اغتيل بنفس الطريقة في صفاقس التونسية، والمؤشرات مقرونة بالدلائل الأولية أيضاً تشير إلى أنّ الفاعل في كلتا الحالتين واحد. وقد نفّذ الجناة عمليتهم باحتراف، فأطلقوا من كاتم الصوت 5 رصاصات على الجزء العلوي من جسد الشهيد فقهاء، من نقطة صفر، تماماً كما فعلوا مع الزواري.

المتهم بـ"جريمة الاغتيال" واحد، والمستفيد منها أيضاً، فـ"القاتل نفذ العملية بأمر من إسرائيل"، وفق الاتهامات التي أطلقتها "حماس" عقب عملية الاغتيال، التي هددت فيها بالرد على ما جرى، والانتقام من إسرائيل وعملائها. لكنّ المثير والمخيف، هو أنّ الاغتيال تم في غزة، وهي أول مرة منذ سنوات طويلة، إذ كلما لاحت فرصة لإسرائيل، اغتالت قيادياً أو ناشطاً فلسطينياً عبر طيرانها، ما يعني أنّها أرادت هذه المرة اغتيالاً غير مباشر، تكون بعيدة فيه عن الدخول في حرب مع المقاومة الفلسطينية.

"القسام" من جهتها، أكدت أنّ ما جرى هو "اغتيال صامت"، وأنها لن تسمح لإسرائيل بفرضه عليها دون رد، وجاء بيان نعيها الشهيد بلغة قوية، لتؤكد من جديد أنّ هدفها هو الانتقام له، وعدم السماح لمثل هذه الأحداث بالتكرار في غزة، التي تجاهر "حماس" علانية بفرض سيطرتها الأمنية والانضباط وغياب الفلتان الأمني فيها.



وفقهاء، أسير من "حماس"، أفرج عنه في 2011، بصفقة "جلعاد شاليط"، وتم إبعاده إلى القطاع، كشرط إسرائيلي للموافقة على إطلاقه، وهو من مدينة طوباس بالضفة الغربية المحتلة، وهو أيضاً مهندس عملية الرد على اغتيال القائد العام الأول لكتائب القسام، صلاح شحادة.

وهددت إسرائيل مراراً في الآونة الأخيرة باستهداف الأسرى المحررين والمبعدين إلى غزة، والذين أعادوا نشاطهم العسكري في المقاومة، وتلقت عائلة الشهيد فقهاء تحذيرات إسرائيلية متكررة بأنّه معرض للاغتيال، بعد اعتراف فلسطينيين اعتقلتهم قوات الاحتلال بأنه مسؤول عن تجنيدهم لتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية، في الضفة والقدس المحتلتين.

بدوره، أكد المتحدث باسم حركة "حماس"، عبد اللطيف القانوع لـ"العربي الجديد"، أنّ "الاحتلال الإسرائيلي وعبر اغتياله الشهيد فقهاء يحاول رسم معادلة جديدة في طبيعة الصراع، وهو ما ترفضه كتائب القسام ولن تسمح بتثبيته، محملاً الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن الجريمة وتبعاتها". وأضاف أنّ "الاحتلال يمتلك الإمكانيات والأجهزة الاستخباراتية العالية للوصول إلى أي مكان كما جرى من قبل في حوادث اغتيال لقادة المقاومة في عواصم عربية وأوروبية، إلا أنّ الاحتلال سيفشل في تثبيت هذه المعادلة وستكسرها المقاومة الفلسطينية". وشدّد على أنّ "المقاومة الفلسطينية وحركتها وجناحها العسكري لن تقبل بمثل هذه المعادلة، وستكون حادثة الاغتيال التي تمت داخل القطاع هي الأخيرة، وسيدفع الاحتلال والجناة المشاركون في العملية الثمن على اغتيال الشهيد فقهاء".

من جهته، لفت مدير مركز "أبحاث المستقبل" في غزة، إبراهيم المدهون في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ "الاحتلال يدرك أن الاغتيال المباشر والفج والواضح، يؤدي إلى تبعات هو لا يريدها ويحاول أن يتجنبها، في الوقت الذي يرى أنه ملزم أن يبقي عمليات الاغتيال واستهداف المقاومين الناشطين". وأضاف أن "الشهيد فقهاء كان ضمن القوائم المعلنة للاستهداف والاغتيال من قبل الاحتلال الإسرائيلي في ظل وجود إصرار منه على تنفيذ هذه التصفيات وتوجيه ضربة بأسلوب جديد داخل قطاع غزة والتخلص من الناشطين الذين يهددون أمنه دون تحمل أي نتائج للاغتيال".

وأكد المدهون أن "عملية اغتيال الشهيد فقهاء داخل مدينة غزة كانت مفاجأة بالنسبة للمقاومة الفلسطينية ولسكان القطاع، عبر محاولة رسم معادلات جديدة وتجاوز معادلة الاشتباك القائمة بين الاحتلال وكتائب القسام الذراع العسكرية لحركة حماس". ورأى أن "حركة حماس ستحاول امتصاص الضربات، وستعمل على إعادة ترتيب أوراقها ومعرفة الجناة والمنفذين بشكل كامل، على الرغم من الصدمة التي حدثت بعد اغتيال فقهاء، إلا أن الحركة التي تدير شؤون القطاع اعتادت على الصدمات والدخول في مواجهات مختلفة".



وأبدى اعتقاده بأنّ "الرد على حادثة اغتيال فقهاء لن تكون ضمن ردود فعل تقليدية وتحتاج إلى تفكير هادئ واتخاذ أساليب قوية وقاسية في الرد توازي حالة الاختراق التي جرت"، في الوقت الذي استبعد فيه وجود مستفيدين آخرين غير الاحتلال الإسرائيلي من الاغتيال.

وتوقع المدهون أن "تكون هناك ترتيبات للأمن والأمن الشخصي لقادة المقاومة الفلسطينية وحركة حماس مع ضرورة إعادة الأمن المجتمعي والأمن المنظومي ككل، وردع العملاء واتباع آليات محكمة في عملية دخول القطاع والخروج منه بالإضافة إلى التحرك للوافدين". ولفت إلى أنّ "القسام وبعد بيانه الأخير وصل لقناعات يقينية بتورط الاحتلال في اغتيال الشهيد فقهاء عبر أدلة، خاصة به، وسيحاول دراسة أساليب الرد ولن يكون عملاً مندفعاً مع الإدراك بطبيعة تعقيد وحجم الصراع مع الاحتلال غير المحدد بزمان". واستبعد رئيس مركز "أبحاث المستقبل" أنّ "تشكل حادثة الاغتيال الأخيرة للشهيد فقهاء عبئاً على القيادة الجديدة للحركة، إلا أنها ستعمل على تسريع اتخاذ خطوات عملية وستحاول إنجاز العديد من الملفات الأمنية على وجه الخصوص خلال الفترة المقبلة". في هذا السياق، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي، تيسير محيسن، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ "ما سبق عملية اغتيال فقهاء من تصريحات لقادة الاحتلال ووزير حربه أفيغدور ليبرمان، كانت توحي بأن الاحتلال مقدم على شيء، وكان من المفترض التوقع بطبيعته وطريقته المختلفة".

وأضاف أنّ "الاحتلال الإسرائيلي أثبت طيلة السنوات الماضية أنّ يده طويلة ويستطيع أن يصل إلى أدق الأماكن من دون أن يكتشف أحد، وحادثة اغتيال فقهاء ممكن أن تتكرر إذا ما أراد الاحتلال ذلك، كون الأمر أضحى في نظره مجرد قرار". ونوّه إلى أنّ "منفذ عملية الاغتيال دخل من خارج القطاع، فيما قُدّم له دعم لوجستي من الداخل، كجمع معلومات دقيقة وتفصيلية عن الشهيد وعن تحركاته خصوصاً وأنه أقدم على تغير منزله حديثاً".

وشدّد محيسن على أنّ "حركة حماس لا ترضخ لسياسات الاغتيال الهادئ التي يتبعها الاحتلال الإسرائيلي، غيرّ أنها لن تقدم على توسيع دائرة النار عسكرياً، وستحاول أنّ يكون الرد بالشكل المكافئ لمفصل إسرائيلي مهم بعيداً عن الأدوات العسكرية التقليدية كالصواريخ وغيرها". ولفت إلى أن "حادثة الاغتيال تشكل عبئاً على القيادة الجديدة للحركة خصوصاً يحيى السنوار قائد الحركة الجديد في القطاع، والذي يعتبر صديقا للشهيد فقهاء في الأسر، والذي من المؤكد أنه سيفكر في رد قوي وكبير على حادثة الاغتيال الأخيرة". ورأى محيسن أن "التحدي الأكبر للسنوار يتمثل في إمكانية تكرار حادثة الاغتيال، وطبيعة الشخصية التي قد تكون على قائمة الاغتيالات، أم أنها مجرد رسالة أراد الاحتلال توجيهها لحماس ليرى مدى إمكانية عودتها إلى الخلف خطوة خصوصاً في ساحة الضفة الغربية ومحاولة تنفيذ عمليات متواصلة بها".