اعتداء العريش الدموي: تساؤلات متجددة حول استراتيجيات الجيش بسيناء

اعتداء العريش الدموي: تساؤلات متجددة حول استراتيجيات الجيش في سيناء

19 فبراير 2019
الصورة
شكل انتشار الجيش بسيناء لم يتغيّر منذ 2013(فرانس برس)
+ الخط -

لم يكن هجوم العريش الدموي الأخير هو الأول الذي ينفّذ فيه تنظيم "ولاية سيناء" الموالي لتنظيم "داعش" ويقضي من خلاله على كمين عسكري بأكمله، ويستولي على أسلحة ويسيطر على المكان لوقت قصير، قبل أن يقرّر الانسحاب من دون أن يتعرّض لخسائر بشرية كبيرة في صفوف مجموعة الهجوم التي تعود غالبيتها إلى قواعدها استعداداً لتنفيذ هجمات جديدة وبطرق مختلفة، ما يثير تساؤلات متجددة حول خطط الجيش في سيناء، خصوصاً مع إبقائه على استراتيجيات انتشاره وتمركزه نفسها هناك منذ خمس سنوات.
وعلى مدار هذه السنوات الخمس الماضية، وقعت اعتداءات عدة تشبه هجوم العريش الدموي الأخير، ومنها، على سبيل الذكر لا الحصر، الهجوم على كمين المطافئ وحاجز حي الصفا بالعريش، وكمين كرم القواديس بالشيخ زويد، وارتكاز البرث في رفح، ومعسكر القسيمة، وكمين زغدان بوسط سيناء، وكلها أدت إلى قتل وإصابة جميع من كان فيها، فيما تمكّن المعتدون من الانسحاب، مع تعرّضهم لبعض الخسائر البشرية. وغالباً ما يختار التنظيم وقت ما بعد الفجر لمهاجمة مواقع الجيش، بينما اعتاد على تنفيذ هجمات في توقيتات معينة يخبرها السكان في سيناء جيداً.
وبعد كل اعتداء، يجري الحديث عن تغيير استراتيجيات انتشار الجيش في سيناء، وكيفية التمركز في مدن المحافظة ومحيطها، إلا أنّ ذلك، على ما يبدو، يبقى حبراً على ورق، الأمر الذي يستغله التنظيم لتنفيذ اعتداءات جديدة والانقضاض على مواقع الجيش المنتشرة في سيناء. ولعل ما يؤكّد ذلك هو قول ما يسمى بوالي سيناء في التنظيم، أبو هاجر الهاشمي، في آخر حوار له قبل أسبوع مع صحيفة "نبأ" التابعة لتنظيم "داعش"، إنّ "للجيش 170 نقطة عسكرية في سيناء، وجميعها تمثل أهدافاً دائمة للتنظيم، ومكاناً للدعم اللوجستي له"، في إشارة إلى قدرة التنظيم على مهاجمة النقطة العسكرية، والاستيلاء على الأسلحة والذخائر منها، وهذا ما حدث فعلياً في الاعتداء الإرهابي الأخير على كمين العريش.
 وكان تنظيم "ولاية سيناء" هاجم كميناً للجيش المصري على طريق مطار العريش، مما أدى إلى مقتل القوة العسكرية المتواجدة فيه، والبالغ عددها 15 عسكرياً، بينهم ضباط، فيما قتل ضابط برتبة رائد في الداخلية المصرية، بعد تفجير التنظيم سيارة التشويش على المفرقعات التي كان يستقلها خلال محاولته الوصول إلى مكان الاعتداء. وهذا ما لم تذكره وزارة الداخلية أو الجيش المصري في التعقيب على الحادثة، فيما شنّ الطيران الحربي المصري غارات مكثفة في محيط منطقة الهجوم جنوب مدينة العريش، بدون أن يبلّغ عن وقوع إصابات.
وبدا واضحاً أنّ الجيش المصري لم يتوقّع الهجوم من حيث المكان والزمان، وهذا يمثّل ضعفاً في المنظومة الاستخباراتية لديه في سيناء، وفق ما يرى مراقبون للشأن السيناوي.
واتجهت بعض الارتكازات العسكرية في سيناء  إلى تحصين نفسها بجهد من القوة العسكرية المتواجدة فيها، من خلال إعلاء السواتر، وإطلاق النار العشوائي في محيط الكمين، طيلة ساعات الليل، ونصبت بعض الكمائن كاميرات مراقبة في محيطها، لمتابعة أي حركة غريبة.

في المقابل، سلّمت بعض الكمائن في العريش بالهدوء، ظناً منها أنّ الهجمات قد تقع في مدينتي رفح والشيخ زويد التي ينشط فيها التنظيم بشكل أكبر من العريش، إلا أنّ اختيار مكان الاعتداء هذه المرة كان مختلفاً من منظور قيادة التنظيم، بشكل لم يتوقعه الجيش ولا الاستخبارات التي تنشط في سيناء، وكذلك أفلتت إدارة الهجوم من التنصت الإسرائيلي على اتصالات التنظيم، وتحرّك قواته.
وفي التعقيب على ذلك، قال باحث في شؤون سيناء، تحدث مع "العربي الجديد" لكنه اشترط عدم ذكر اسمه، إنّ "شكل انتشار الجيش المصري في سيناء لم يتغيّر منذ عام 2013، من حيث أماكن الكمائن والارتكازات الأمنية، على طول محافظة شمال سيناء، من رفح وحتى مدينة بئر العبد"، مضيفاً أنه "يمكن للتنظيم رصد الحركة العسكرية داخل هذه الكمائن وفيما بينها، إذ يمكن لأي مواطن في سيناء أن يذكر أسماء غالبية الكمائن وأمكنتها، فكيف الحال بتنظيم يملك عشرات الأفراد في مناطق سيناء كافة". وتابع الباحث "هذا ما ظهر جلياً من حديث زعيم التنظيم أخيراً، عن العدد الدقيق لهذه الكمائن، ما يشير إلى وجود خريطة لهذه الكمائن بين يدي ولاية سيناء، جرى رسمها بناءً على رصد المجموعات العسكرية، فيما يجري اختيار الكمين لمباغته في كل مرة يقرر التنظيم فيها استهداف الجيش بضربة من العيار الثقيل".
وأشار الباحث نفسه إلى أن "نقطة ضعف أخرى تسجّل في منظومة عمل الجيش في سيناء، أنّ آليات التواصل بين الكمائن والقيادة لا تزال ضعيفة، إذ أنه أصبح معتاداً تأخّر وصول قوات الدعم والإسناد إلى الكمائن التي تتعرض للهجوم، وهذا ما حدث في كمين العريش، إذ وصلت قوات الدعم بعد أكثر من ساعة من وقوع الهجوم، فيما شنت الطائرات الحربية قصفها الجوي وأجرت تمشيطاً للمنطقة بعد مرور ثلاث ساعات على الهجوم". وتابع "هذا ما حدث أيضاً في ارتكاز البرث، في يوليو/تموز 2017"، مؤكداً أنّ "هذا يستدعي ربطاً أفضل بين الكمائن مع بعضها من جهة، ومع القيادة من جهة أخرى، بما يضمن وصول الدعم والإسناد في أقرب وقت ممكن، بما يقلل من الخسائر ويوجد فرصة للحاق بالمهاجمين".
تجدر الإشارة إلى أن الجيش المصري بدأ عملية عسكرية واسعة النطاق في التاسع من فبراير/شباط 2018 في شمال سيناء، وهي لا تزال مستمرة، وأدت إلى مقتل وإصابة العشرات من المدنيين والعسكريين المصريين، عدا عن هدم وجرف عشرات المنازل والمزارع في مدن محافظة شمال سيناء، من دون تحديد موعد لانتهائها، خصوصاً في ظلّ استمرار هجمات التنظيم ضدّ أهداف الجيش كافة.

المساهمون