اضطرابات إيران.. سُمٌّ قد يتجرّعه شامتون عرب

05 يناير 2018
الصورة
إذا ما أردت أن تفهم أكثر حجم تعقيدات منطقة ما تسمى "الشرق الأوسط"، وتداخل المواقف في القضية الواحدة، فما عليك إلا أن تتابع المواقف الإقليمية والدولية من الاحتجاجات الشعبية في إيران ضد النظام وسياساته الداخلية، تحديدا الاقتصادية منها، والخارجية. مبدئيا، فإن من حق الشعب الإيراني أن يطالب بحياة أفضل، من دون فساد وقمع، وأن يتمتع بثروات بلاده المنهوبة لصالح مغامراتٍ خارجيةٍ طائشةٍ لتعزيز نظام "ولاية الفقيه" إقليميا. إيران دولة غنية بثرواتها، فهي تملك، على الأقل، 10% من احتياطيات النفط العالمية المؤكدة، و15% من احتياطيات الغاز. ومع ذلك، تبلغ نسبة التضخم فيها 45%، في حين تبلغ نسبة البطالة، وطنيا، 12%، و60% في بعض المحافظات الكردية والعربية. الأخطر من ذلك نسبة العاطلين من العمل بين الشباب، حيث هناك حوالي خمسة ملايين شاب عاطل من أصل سبعة ملايين. وكانت القشّة التي قصمت ظهر البعير الإعلان عن ميزانية عام 2018، وتضمنت رفع أسعار الوقود بنسبٍ تصل إلى 50%، ورفع الدعم عن العائلات الفقيرة بنسب متفاوتة، فضلا عن تقليل الإنفاق على تطوير البنية التحتية، في مقابل بقاء ملايين من الدولارات للمعاهد الدينية، دع عنك عشرات الملايين من الدولارات المخصصة لأجندة إيران الإقليمية، وتمويل الحروب في سورية واليمن. ما سبق ينضاف إلى منظومةٍ ثيوقراطية، طاولها الفساد، تتحكّم في أدق تفاصيل الحياة، بزعم النيابة عن "الإمام الغائب"، وتمييز عرقي ومذهبي ضد الأقليات، يصل إلى حد الاضطهاد.
تلك إطلالة عامة توضح أن للاضطرابات التي تشهدها إيران اليوم أسبابها المشروعة، بل إنها قد تكون تأخرت كثيرا، خصوصا أن احتجاجات مزاعم تزوير الانتخابات الرئاسية عام
 2009 لصالح الرئيس الأسبق، محمود أحمدي نجاد، والتي سميت "الثورة الخضراء" لم تأت أكلها المرجوّة إصلاحا وشفافيةً وتخفيفا لقبضة المرشد الأعلى للثورة على الحكم. ولا زال قادة "الثورة الخضراء" الأبرز، مير حسين موسوي، ومهدي كروبي، رهن الإقامة الجبرية. لكن بعض المواقف الإقليمية والدولية الشامتة باضطرابات إيران، وتحاول صب الزيت على نيرانها المضطرمة، لا تنطلق، بالضرورة، من مصالح الشعب الإيراني ومظلوميته، ولا حتى من مصالحنا نحن الشعوب العربية، وهو ما يجعل مواقف كثيرين منا متوجّسة هنا. تلك القوى الإقليمية والدولية لا يعنيها إلا إضعاف إيران واحتواؤها إقليميا، على الرغم من أن أجندتهم هم لا تقل إجراما وخطرا بحقنا جميعا.
في مقدمة هؤلاء، تقف إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والذي أعلن منذ اليوم الأول دعمه الاحتجاجات الإيرانية ضد النظام الذي اتهمه بـ"الوحشية والفساد". ما لا يقوله ترامب هنا أن بلاده هي من هَنْدَسَت عقوباتٍ اقتصادية خانقة، منذ عقود، على إيران ساهمت في إضعاف اقتصادها والضغط على شعبها. وقد ساهمت إدارة ترامب في تشديد تلك العقوبات منذ وصوله إلى الحكم مطلع العام الماضي، برفضها الاتفاق النووي الذي أشرفت عليه إدارة سلفها، باراك أوباما، عام 2015، والذي نص على تخفيف وطأة العقوبات الاقتصادية على إيران في مقابل تخليها عن طموحاتها النووية العسكرية. المفارقة الأكبر، أن إدارة ترامب، كما إدارة أوباما من قبل، تعاونت مع الإيرانيين، ضمنيا، في ملفيِّ العراق وسورية، بذريعة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في الوقت الذي بقيتا فيه تدينان التدخل الإيراني السافر في شؤون الدولتين. الولايات المتحدة، منذ إدارة جورج بوش الابن وغزو العراق عام 2003، هي من سمحت لإيران بالعبث في شؤون المنطقة، والتسلل إلى العمق العربي، والمساهمة في إشعال نيرانه. ولم تكن السياسات الأميركية في المنطقة يوما أقل إجراما من سياسات إيران.
الشامت الثاني هي إسرائيل. "أتمنى للشعب الإيراني النجاح في سعيه النبيل من أجل الحرية". هكذا علق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على الاحتجاجات الشعبية في إيران. لكن نتنياهو يتناسى هنا معاناة الشعب الفلسطيني الرازح تحت احتلال كيانه الاستخرابيِّ، والذي يشعل، أي الشعب الفلسطيني، ثورةً شعبيةً سلمية هو الآخر ضد بطش إسرائيل وتنكبها، بدعم أميركي، لقرارات الشرعية الدولية التي يُفترض أن تحصّن ما تبقى من فتات الحقوق الفلسطينية. المفارقة هنا، أيضا، أن تغريدات ترامب عبر "تويتر" دعما لاحتجاجات الشعب الإيراني ضد "وحشية" نظام طهران وفساده تزامنت مع تغريدات أخرى له تهدّد السلطة الفلسطينية بقطع المعونات الأميركية عنها، إن لم تعد إلى طاولة المفاوضات راغمة مستسلمة لبلطجته الدولية باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل. البلطجة أتبعتها سفيرته في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، بأخرى عبر تهديدها بقطع المساعدات عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (أونروا) إن لم تَحْنِ قيادة السلطة الفلسطينية رأسها لمطالب ترامب ونتنياهو.
المفارقة الصارخة الأكبر، هي هوية الشامت الثالث، وتتمثل في بعض دول الخليج العربي. أن يتسابق الإعلام السعودي والإماراتي والبحريني إلى "تشريح" الوضع في إيران، حقوقيا واقتصاديا وسياسيا، فتلك نكتة سمجة. الفساد والتخلف في هذه الدول الثلاث أكبر من أن يحجبه 
غربال. هل هناك حاجة للتذكير هنا بالفساد المتهم به حاكم السعودية الأول، الذي يدّعي محاربة الفاسدين في مملكته، الأمير محمد بن سلمان؟ طبعا ليس الآخرون في الدولتين الأخريين أحسن حالا، والنهب مؤسّسي هناك. هل هناك حاجة إلى التذكير بالقمع الذي تمارسه تلك الدول بحق المعارضين، والذي وصل إلى حدّ التجريد من الجنسيات واعتقال الأقارب، بمن في ذلك النساء، في إجراءات انتقامية؟ أم هل نحتاج إلى التذكير بأن وضع المواطنين السعوديين والبحرينيين، اقتصاديا، من سيئ إلى أسوأ؟ وعلى صعيد السياسات الإقليمية المزعزعة للاستقرار فحدث ولا حرج، وساحات اليمن وحصار قطر ودعم الثورات المضادة والتآمر على إرادة الشعوب ودول المنطقة كلها شواهد شامخة، لا يمكن إنكارها أو إخفاؤها.
إذا كانت إيران تستحق أن تُرْجَمَ بالحجارة، فإن كثيرين غيرها يستحقون الأمر ذاته. ولا ينبغي أن تنجح محاولات معسكر الثورات المضادة العربي في تعبئتنا ضد سياسات إيران الخاطئة والمجرمة، لتنسينا سياساتهم الخاطئة والمجرمة. هم من فتح الباب للتسلل الإيراني إلى عمقنا العربي، ويريدون أن يقنعونا اليوم أن إسرائيل "حليف" ضد "العدو الإيراني"، في حين أن الواقع يقول إنهم كلهم أعداء لطموحاتنا، نحن شعوب المنطقة. وإذا كان من درسٍ ينبغي أن تتعلمه جميع دول المنطقة، عربية وإيرانية وتركية، فهو أن ساحتنا مكشوفة، ومرمانا مفتوح، وأننا مَلْعوبٌ بنا جميعا، فمناعتنا منهارة، ولن نتمكّن من الصمود في وجه المؤامرات التي تستهدفنا، إن بقينا مشغولين بمحاربة بعضنا بعضا.
تتجرّع إيران سُمّاً جَرَّعَتْهُ غيرها من قبل. لعلها تكون جرس إنذار لها، كي تعدل سياساتها الرعناء في المنطقة، وتكون جرس إنذار لآخرين من العرب، لتعديل سياساتهم الخرقاء كذلك، فكلنا مع موعد مع السُمِّ نفسه. ليس لنا مصلحة أن تستفيد إسرائيل وداعمها الأميركي في المنطقة على حسابنا جميعا. خصومتنا إيران في أفعالها الإجرامية، في العراق وسورية واليمن، وليس لمذهبها، ولا لهويتها العرقية والثقافية، ولا لمشروعية وجودها. وإلا لماذا نخاصم أنظمة عربية تتلفع بلبوس التسنن، وهو منها براء؟
تعليق: