استياء الاتحاد الأوروبي من بولندا لمخالفتها مبدأ استقلالية القضاء

28 يوليو 2017
الصورة
بولندا إحدى أكثر الدول استفادة من مساعدات الاتحاد(كارستين كوال/Getty)
تثير الخطوات البولندية المتعلقة بإقالة وتعيين القضاة، عن طريق حكومة اليمين القومي، هواجس كثيرة في الاتحاد الأوروبي. وتعتبر بروكسل أن بولندا، التي انضمت للاتحاد في 2004، تقوم بمخالفة أحد مبادئه الأساسية القائمة على استقلال القضاء، وعدم تبعيته للسلطة السياسية. 

وهذه ليست المرة الأولى التي يهدد فيها الاتحاد بتفعيل المادة السابعة في البرلمان الأوروبي لمعاقبة وارسو، بتهمة "الخروج عن القيم المذكورة في المادة 2"، وفقاً لما صرّح به، الأربعاء الماضي، نائب المفوض الأوروبي فرانس تيمرمانز؛ فقد أثارت وارسو، العام الماضي، الكثير من الانتقادات بتبني قانون تجريم الإجهاض، ما أثار موجة سخط، بيد أن الحكومة البولندية لم تأبه بذلك.


وعلى الرغم من انتقادات داخلية ومن منظمة العفو الدولية "أمنستي"، لتوجهات الرئيس البولندي، أندري دودا، وحزب "القانون والعدالة" القومي، لفرض حزمة قوانين تتيح لوزير العدل تعيين وإقالة قضاة المحكمة العليا، فإن بولندا، بحسب ساسة ومشرعي الاتحاد، "ذاهبة نحو صدام مع مبادئ فصل السلطات". ومن هنا، تبرز التهديدات الأوروبية الأخيرة بفرض عقوبات على وارسو، إن مضت في تبني المزيد من القوانين المثيرة للجدل منذ انتخابات 2015.

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، دخلت حكومة وارسو اليمينية المحافظة، في نزاع مع المحكمة الدستورية، من خلال استغلال رئيس حزب "القانون والعدالة"، المهيمن على أغلبية برلمانية، ياروسلاف كاشينزكي، باتهام المحكمة الدستورية بأنها "هيئة سياسية تخدم النخب السياسية السابقة".

اتهامات كاشينزكي للمحكمة الدستورية، جاءت على خلفية تصدي تلك المحكمة لعدد من التعديلات التي أرادت حكومة اليمين إدخالها على الحياة السياسية والقضائية في البلاد. اندلع هذا الصراع بعد أن أقدمت الحكومة السابقة، قبل وقت قصير من حلها واستلام حكومة اليمين بزعامة الحزب اليميني، بتعيين 5 من القضاة. وللرد على ذلك، فقد أقدمت الحكومة الجديدة على تعيين مرشحين خاصين بها، مع مقترحات بتعديلات مختلفة على النظام القضائي، يراها المعارضون بمثابة تقويض لاستقلال القضاء في بولندا.

تصاعد الجدل الداخلي في بولندا، واكتظاظ شوارعها بتظاهرات معارضة لقوانين النظام القضائي، وإحالة قضاة إلى التقاعد، يأتي على خلفية مخاوف من أن تؤثر التعديلات على بقية الحريات، بما فيها الإعلامية والسياسية.



وترى المعارضة أن إحالة أعضاء المحكمة العليا إلى التقاعد، تهدف إلى تعيين بدائل لهم موالين للحزب والرئيس البولندي. وما يقلق البولنديين أيضًا، التوجه نحو حل مجلس القضاء الوطني، وهو جمعية مستقلة من أغلبية قضاة وقلة من السياسيين، الذي يقوم بتعيين القضاة الجدد.

والتعديل المقترح هو منح البرلمان، بأغلبية ثلاثة أخماس، سلطة تعيين أعضاء جدد للمجلس، وهو ما تراه الأقطاب المعارضة تعزيزًا للسيطرة على تعيين القضاة من خلال هذا المجلس. وبالنسبة لتعديل تغيير وطريقة تشكيل المحاكم الإقليمية، ومحاكم الاستئناف، يرى المعارضون أنه يمثل "تعزيزًا لسلطات وزير العدل بتعيين وإقالة رؤساء وأعضاء هذه المحاكم".

تنظر المعارضة في بولندا لما يجري باعتباره بحثًا عن "تركيز للسلطة، واعتداء على سيادة القانون، وبمثابة انقلاب صريح، بعيدًا عن تقاليد الاتحاد الأوروبي". وتتهم الساسة بأنهم "يتجاوزون الخطوط الحمراء، بتجاوز المبادئ الدستورية وحقوق المواطنين والرقابة القضائية".

بدورها، أطلقت "منظمة الدفاع عن الديمقراطية" (KOD) المعارضة، عددًا من التظاهرات المعارضة ضد الحكومة اليمينية القومية المتهمة من المفوضية الأوروبية بأنها "تقوض استقلال القضاء والإعلام في بولندا". ويبرز رئيس المحكمة الدستورية، أندري ريزبلنسكي، كأحد الشخصيات الأكثر معارضة لمحاولات الحكومة منع عمل محكمته بتقييدها بقوانين "تشل عمل المحاكم واستقلاليتها"، وفقًا لما يردده.

أما مسؤولة الفرع البولندي في منظمة العفو الدولية، درانجينا نادازدين، فاعتبرت الأسبوع الماضي، أن "القلق الأساسي من التعديلات القانونية ينبع من أنها ستؤدي إلى نظام قضائي غير مستقل، لا سيما على ضوء تغييرات عديدة اقتُرحت وأدخلت في الفترة الأخيرة".

بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن ريزبلنسكي، الرافض لتعيين الحكومة الحالية للقضاة، يعتبر "الشخصية الأكثر تمثيلًا لاستقلال القضاء". وحاول الاتحاد خلال سنة كاملة توجيه الكثير من التحذيرات والإنذارات لكي تتراجع حكومة اليمين عن سياساتها، بيد أن "الظروف لم تتغير للأسف"، بحسب ما علق أخيرًا نائب رئيس المفوضية، فرانس تيمرمانز. لكن وعلى الرغم من كل التحذيرات الأوروبية، لا يبدو أن الاتحاد قادر على فرض عقوبات على حكومة اليمين القومي في وارسو لأسباب تتعلق بالأساس بنظام فرضها. ففرض تلك العقوبات يتطلب تصويتًا بالإجماع، وتكفي معرفة موقف المجر، وخصوصًا رئيسها اليميني القومي فيكتور أوربان، لإدراك صعوبة تمريرها. فأوربان داعم قوي لزميله دودا.

في الواقع، فإن ما يخيف المعارضة البولندية، والاتحاد الأوروبي، أن تمضي حكومة أندري دودا نحو المزيد من "شل المحكمة الدستورية وفرض قوانين تقيد الحريات"، وفقًا لما قالت هانا سزولكزيوسكا، من "منظمة الدفاع عن الديمقراطية" .

وفي بروكسل ووارسو، يخشون من استغلال ضعف الموقف الأوروبي، لمصلحة فرض وتعزيز موقف اليمين القومي بإجراءات أخيرة "تفرض تقييدًا على حرية تكوين الجمعيات، وقيودًا مشددة على حرية التجمع والتحالف مع مجموعات تظهر لملاحقة المتظاهرين المعارضين"، بحسب ما تذكره سزولكزيوسكا.

الخشية التي يبديها نشطاء المجتمع المدني البولندي تنسحب أيضًا على خشية أعضاء الاتحاد الأوروبي. فقد عبّر المفوض تيمرمانز عن "القلق من أن تؤدي هذه التطورات إلى تفاقم مأزق القانون في بولندا".

 من جهتها، ترى الحكومة البولندية أن "النظام القضائي الذي كان سائدًا خلق دولة داخل الدولة، وبالتالي يجب إصلاحه". وترفض وارسو الاتهامات الموجهة إليها بإلحاق القضاء بالسلطة التنفيذية.

وفي مقارنة سريعة بين تسمية القضاة في بولندا، التي تسعى إليها الحكومة، ودول أخرى في الاتحاد، كالدنمارك والسويد، فإن تعيين هؤلاء القضاة متروك للحكومة التي تكون تحت مسؤولية سياسية من البرلمان. ولا يثير تعيين القضاة جدلًا سياسيًا، باعتبار أن التعيين يتم على أساس مهني وبحسب المؤهلات الشخصية للمعينين. ويرى هؤلاء أن هذه الطريقة تهدف إلى ضمان توظيف أوسع نطاقًا للقضاة وإلى زيادة الشفافية واستقلالية القضاء، ولا يمكن لوزير العدل أن يحدد من يتقدم بطلب التوظيف، وعليه اتباع ما يراه مجلس القضاء الأعلى في مصلحة العدالة.

والجدير بالذكر أن ما يمكن أن تتعرض له بولندا، في حال استطاع الاتحاد الأوروبي الحصول على إجماع، مع شكوك بأن توافق المجر وغيرها شرقًا، قد يضعها في مواجهة عقوبات اقتصادية وسحب حق التصويت في الاتحاد، لا سيما أن بولندا تعتبر واحدة من أكثر الدول الأعضاء استفادة (طيلة 13 سنة من العضوية) من المنح المالية.