استمرار مؤسف وهدر آخر

08 يونيو 2014   |  آخر تحديث: 06:53 (توقيت القدس)

لحظة لالتقاط الأنفاس

+ الخط -

كلنا نحتاج، في لحظة ما، إلى وقفة لالتقاط الأنفاس، والتحديق جيداً داخل الروح المتعبة من فرط اللهاث، في دروب هذه الحياة. من حق أنفسنا علينا أن لا نغيب عنها طويلاً، وأن نوثق أدوات الاتصال معها، لكي لا نفقدها في غمرة الركض، سعياً إلى كسب المزيد من كل شيء. فنقع كلياً في الغربة، كمحصلة بائسة، لن يخفف من مأسويتها أي مكتسب، أو إنجاز مهني، مهما كان باهراً، لأن خسارة الذات تبقى الخسارة الكبرى غير القابلة للتعويض.

من شأن هذه الحقيقة غير البسيطة أن توقظنا من غيبوبتنا المستمرة، في ظل أجواء تنافسية ضاغطة، تستنزف الكثير من الجهد والطاقة.

وعلى الرغم من أن الخبراء في علم الإدارة يؤكدون أن الإفراط في العمل لن يحقق أي تميز يذكر، بل هو سبب رئيس لتراجع الأداء الوظيفي، جراء إغفال الاحتياجات النفسية من الراحة، والتمتع، بين حين وآخر، بإجازة كفيلة بتذكير الفرد بآدميته وحاجته الإنسانية البسيطة لإعادة شحن الجسد والروح، وإلى التواصل الطبيعي مع أشخاصٍ خارج نطاق المهنة.

غير أن ثمة نماذج من الناس يمكن اعتبارها مهووسة كلياً في شؤون العمل، على مدار الساعة، مدمنة على العمل، غير قادرة على الإقلاع عنه بسهولة، أو الخروج من سطوته، وتخصيص وقت للجانب الشخصي الإنساني، والاسترخاء ولو برهة وجيزة، فلا يستطيعون التوقف، أو التخفيف من مقدار انشغال أذهانهم، طوال الوقت بقضايا متعلقة بعملهم، وكأنهم أطروا وجودهم كله، واختصروه ضمن هذه الجزئية من حياتهم، بحيث أضحت هي عنوان شخصيتهم الحصري، حتى لو تعمدوا الابتعاد عن تلك الأجواء، تجدهم، بشكل لا شعوري، يتحدثون عن تفصيلات متعلقة بالعمل، وحين يميلون إلى الصمت، يفكرون في الواقع بالقضايا نفسها.

ومعروفة الآثار الاجتماعية الخطيرة التي يرتبها مثل هذا الإدمان على الشخص نفسه، وعلى حياة المحيطين به، وهو الغائب عن حياة العائلة، ما يشكل تهديداً لتماسك الأسرة، ففي حياة هذا النموذج، ثمة، دائماً، أقرباء عاتبون، وزوجة ناقمة، جراء هذا الغياب الذي يرتب عليها أعباءً إضافية، وثمة أولاد ساخطون، لديهم إحساس متنام بالغبن لحالة اليتم القسري التي يجدون أنفسهم فيها، بسبب انهماك الأب بعالمه، مبتعدا بالكامل عن تفاصيل تهم أولاده، بذريعة الانشغال الدائم بأمور ملحة، لا يمكن تأجيلها، غير مدرك كم هي ثمينة هذه الأيام الضائعة، وكم هي غير قابلة للتكرار، إذ سرعان ما يكبر الأولاد، ويكفون عن الاكتراث بحضور أبيهم الذي تخلى عنهم، في ما مضى في عز حاجتهم إليه، معتقداً أن وظيفته الوحيدة تكمن في إعالة العائلة، وتأمين مستقبلها غير متنبه إلى أنه، في الأثناء، تنازل طوعاً عن اللحظة الراهنة، وفقد كل الضمانات المتعلقة بالحاضر.

التفوق المهني أمر رائع، وتحقيق الأمان الوظيفي إنجاز مهم، غير أن التوازن والاعتدال مطلوب وضروري، لكي يتمكن الفرد من الوصول إلى الرضى عن الذات، والحيلولة دون الوقوع في الإحباط الذي يؤدي إلى أمراضٍ، تتصل مباشرة بالتوتر النفسي والإرهاق الناجم عن الإفراط في العمل. وغالبا ما يعاني هؤلاء من صعوباتٍ في التأقلم، أو عقد صداقاتٍ ذات طابع إنساني بحت، في معزل عن أجواء المهنة، وهي، والحال هذه، هويته الأساسية التي سوف يشعر بالضياع وقلة الحيلة وغياب المعنى لكل حياته، فيما لو فقدها، لأنه سيحس بأن رصيده، على المستويين، العائلي والاجتماعي، سيكون تحت الصفر، وحين يقرر الخلود إلى الراحة، في نهاية الأمر، سيجد نفسه بلا حلفاء، حيث أولاده، المنهمكون في بناء مستقبلهم المهني، يضعون نصب أعينهم التفوق عليه، فيما أولادهم يعانون من غيابٍ جديد في استمرار مؤسفٍ وهدر آخر.

 

AD06A645-8A0A-4B42-9292-5FC44B5D51C6
بسمة النسور

كاتبة أردنية، تحمل الليسانس في الحقوق، صدر لها ست مجموعات قصصية، وكتبت نصين مسرحيين. تكتب في الصحافة العربية منذ 1990، وتشغل موقع رئيسة تحرير مجلة "تايكي" المتخصصة بالإبداع النسوي.