استقطابات جديدة في الانتخابات التونسية

06 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
تجري اليوم في تونس الانتخابات التشريعية التي، وإن خفَت بريقها تحت آثار الانتخابات الرئاسية المربكة، فإنها لم تخل من تشويق، خصوصا في ظل تطورات مرتبطة بملفات قضائية مرفوعة، ما دفع رئيس الجمهورية المؤقت، محمد الناصر، إلى التوجه إلى الشعب التونسي، لعله يفلح في تخفيف التوتر و"يترك للصلح بين الفرقاء مكانا"، كما قال، الأمر الذي أضفى على المناخ الانتخابي كثيرا من الحيرة والقلق. وتوحي كل المؤشرات بإنتاج استقطابٍ سيكون مغايرا للاستقطابات التي عرفتها انتخابات 2011 أو انتخابات 2014 وحتى الانتخابات البلدية 2018. 
ليس مصادفةً أن تكون الديمقراطيات القديمة ارتبطت بالسباقات المشوقة وحلبات الصراع التي لا يعرف فيها الجمهور الشخص الفائز إلا في اللحظات الأخيرة من السباق. يظل الجمهور يتابع تلك المسابقات التي تُلعب أحيانا على تفاصيل دقيقة، وأحيانا أخرى على فروق. وكلما كانت الحظوظ متقاربةً كان السباق مشوقا والفوز مستحقا. وفي كل الحالات، تظل الجماهير تحبس أنفاسها إلى اللحظة الصفر التي تعلن فيها النتيجة. لا يمكن فصل الديمقراطية عن فكرة اللعبة، وعن كل ما يحاط بها من صور ومشاعر وعواطف حتى يكون السياق و"اللعبة وقواعدها" دلالة جاذبة. ربما كان هذا كل ما كسبه التونسيون من الديموقراطية الناشئة في بلدهم: متنافسون مترشحون، حلبة صراع، لعبة وقواعد وفرجة مثيرة.. ومع ذلك، يظل سلوك الناخبين لغزا محيّرا، لا يقل إثارة
عن أداء المترشحين المتسابقين، بل هو أعسرها تحليلا في الظاهرة الانتخابية، خصوصا في بلدٍ لم يراكم تجربة حرّة للانتخابات، ولم تنجز بحوث في هذا الموضوع إلا قليلا. ولذلك يميل خبراء ومختصون عديدون في السلوك الانتخابي إلى رفض اعتبار الناخبين مجرّد مشاهدين سلبيين، باعتبار العوامل المتعلقة بالمناخ والمزاج العام، فضلا عن ميولهم التي لا تسلم أحيانا من نزوات ونزعات قصووية حاسمة في القرار الانتخابي. وتتجنب هذه المقاربة أشكال التعويم المضللة في تحليل السلوك الانتخابي الذي يكّرر أن هناك "عوامل سياسية وثقافية واقتصادية واستراتيجية أدت إلى تلك النتيجة الانتخابية". وعلى شموليته، يعوّم هذا التفسير القرار الانتخابي، ولا يقدّم مفاتيح لفهم القرار الانتخابي تحديدا.
شابه تصويت التونسيين في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية قبل ثلاثة أسابيع، إلى حد بعيد، تلك الألعاب القصوى التي يغامر فيها الشباب، ويركبون صهوة المخاطر، غير عابئين بالمآلات، وقد يذهب بعضهم ضحية ألعابه. وهذا ما حدث مع الناخبين التونسيين، حيث نزعوا إلى اختيارات "حدّية متطرّفة"، باختبارهم مترشّحين مختلفين تماما، يندر أن نعثر لهما على قواسم مشتركة أو تشابه: مساراتهما الحياتية مختلفة، الانحدارات الاجتماعية الاقتصادية الملامح والقسمات.. كل شيء فيهما مختلف، وينزع إلى التحصن في أقصى السلم الذي تقاس به تلك المؤشرات. فالمترشح الأول، قيس سعيد، جامعي يدرّس القانون الدستوري، يميل إلى "الانزواء"، زاهد في الظهور الإعلامي، ليست له "ماكينات" ثقيلة، لم يخض حملة دعائية بالمعنى المتعارف عليه. أما المترشح الثاني، نبيل القروي، فينتمي إلى المثلث الذهبي للسلطة والسياسة والقوة في أي بلد: المال والإعلام والجاه. علاقته بالقانون متوترة وعدائية أحيانا، صانع للدعاية والفرجة، ولاعب ماهر له نزعات استعراضية. ما يحيّر حقيقة: كيف توزعت أصوات التونسيين على هذين الضدّين؟
ربما سيكون أمر الانتخابات التشريعية التي تجري اليوم مختلفا عما حدث في الدور الأول من 
الانتخابات الرئاسية، على الرغم من أنها لن تسلم من ارتداداتها وتبعاتها، ذلك أن المترشح قيس سعيد لا ينتمي إلى حزب، ما يجعل كتلته الانتخابية التي تفوق ستمائة ألف ناخب محل نزاع بين أحزاب عديدة، تدّعي أنها الأقرب إليها: النهضة، المؤتمر، ائتلاف الكرامة.. إلخ.
السؤال الذي علينا أن نجيب عنه، كنخب سياسية وعلمية: كيف لشعبٍ واحد أن يوجّه أبناءه الناخبين إلى حدّين متناقضين؟ لا أعتقد أن القول بوجود "تونسي" حصيف، فليس ثمّة مجتمعان، وإنما هو استقطاب حاد يشق هذا المجتمع بالذات، لا ينهض على أساس طبقي أو جندري أو جهوي، فلا قرينة دامغة من القاعدة الانتخابية للمترشحين، وفق ما توفر من معطيات إحصائية، تفيد بأن تلك المتغيرات رجّحت الكفة لأحد المترشحين، فالنسب متقاربة: النساء، الشباب، الجهات. الاستقطاب الحقيقي حدث في تصورات الناس وإدراكاتهم: عالم القيم والتمثلات والرموز.
ومع ذلك، ترشح نتائج سبر الآراء المتعلقة بنيات التصويت، وأصبحت تقليدا على الرغم من مناهضة عديدين لها، حزب قلب تونس الذي يرأسه المترشح للرئاسية، نبيل القروي، وحزب النهضة ليكونا في الطليعة. ومع ذلك، المتوقع أن يتشكّل برلمان من فسيفساء مفتتة، قد يعجز فيها الحزب الأول عن تشكيل حكومة، حتى ولو اضطر إلى بناء تحالفات حكم. قد يكون من السابق لأوانه تعيين حجم الكتل الانتخابية ووزنها، على ضوء ما ستبوح به نتائج انتخابات اليوم، ولكن هناك حقائق أبانها الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، وهي أن الناخب التونسي مزاجي، يغير مواقفه، ولم يعد أصلا تجاريا أو ملكية لحزب. معاقبة النخب السياسية والهجرة إلى "لاعبين مغمورين" سيجعل الجميع يعيد حساباته السياسية. الاستقطاب الذي شجّ رأس التونسيين إلى نصفين لا يعكس استقطابا طبقيا أو أيديولوجيا، بل استقطاب رهانات. وقد تتغير أمور من شأنها أن تدفع إلى التثبت في هذه الفرضيات أكثر، في انتظار الدور النهائي من الانتخابات الرئاسية التي ستدور بعد أسبوع، فشهر من الانتخابات قد لا يمنح منعطفا جديدا للانتقال الديموقراطي فحسب، بل للبلاد برمتها.