استقالة عون هدفاً ثانياً للانتفاضة اللبنانية

28 يناير 2020
الصورة
+ الخط -
"حكومتنا لا تتعاطى السياسة...".. إعلان غريب أطلقه رئيس الحكومة اللبنانية الجديدة، حسّان دياب، قبل أن يحصل على ثقة البرلمان، وقبل أن تطأ رجلاه السرايا الحكومي. مسكين لبنان، كان فيما مضى بلد الازدهار ومختبر العمل السياسي والتفاعل ومنارة الشرق، وبات اليوم في أيدي جهلة ومتسلّقين وانتهازيين وفاسدين ومرتهنين وأزلام لطبقة سياسية، هي مزيج من مليشيات حرب سابقة وحيتان مال. طبقة وقحة وجشعة وفاسدة وفاشلة ومنتهية الصلاحية. بعد أكثر من مائة يوم على انتفاضة شعبية عارمة ومستمرة، عمّت كل المحافظات والمناطق اللبنانية من الشمال إلى الجنوب، وافترشت الساحات بعشرات الآلاف بشكل شبه يومي، وحاصرت المؤسسات الرسمية والحكومية والعامة، اضطرت الطبقة السياسية إلى التراجع خطوة إلى الوراء، وسحبت من جعبتها شخصيةً قاتمة مربكة، لا طعم ولا لون لها، وكلّفتها تشكيل حكومة مهمتها، ليس انتشال البلد من أزمته الخانقة، إنما توفير غطاء لعودة الطبقة السياسية بوجوه مقنعة. حاول حسّان دياب، المنتدب لهذه المهمة، استمالة الشارع، برفعه شعار "حكومة تكنوقراط ومستقلين"، أي غير منتمين إلى أحزاب السلطة، فكانت النتيجة، بعد أكثر من شهر، إعلانه حكومة لم يختر هو منها سوى وزيرين من أصل عشرين، القليل منهم تكنوقراط، أما الأهم أن الأكثرية ليست مستقلة، بل اختارتها الأحزاب ذاتها، وبعضها حزبي، مثل وزراء حركة أمل وحزب الله. وقد ضمّت التشكيلة ست نساء، لإضفاء لمسة حضارية مساواتية، رشوة للعنصر النسائي المشارك بقوة في الانتفاضة، علماً أن إحداهن تنتمي إلى
الحزب القومي السوري أوكلت إليها وزارة الدفاع، على الرغم من أن هذا الحزب لا يعترف بالكيان اللبناني، وقام بمحاولة انقلاب على حكم فؤاد شهاب عام 1960! أي أن أحزاب السلطة خرجت من الباب لتعود من شباك دياب، ما دفع الشعب المنتفض إلى رفضها. 
شكّلها أم شكّلوها له؟ هي حكومة من لون واحد تضم فرق "محور الممانعة" الذي يتصدّره ويقوده حزب الله، مع بداية عودة خجولة للجناح السوري فيه. وقبل أن تنال الحكومة الثقة، وتعقد أولى جلساتها، كان رئيسها ينتقل للإقامة مع عائلته في السرايا الحكومي، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها في تاريخ لبنان. وهي خطوةٌ تعكس، من جهةٍ، تعطش دياب للتمتع بمظاهر السلطة، وخوفه، من جهة أخرى، من أن ينتهي، ذات يوم، محاصرا في منزله من المتظاهرين. وفي أول اجتماع للجنة إعداد البيان الوزاري، خاطب رئيس الحكومة وزراءه قائلا إنه لا يجب أن يشتغلوا في السياسة، وإنما يهتموا بمعالجة الأزمة الاقتصادية ومطالب الشارع. ربما لأنه يدرك أن القرار السياسي ليس بيده، وكذلك مفتاح تأليف الحكومة، ولكنه كان يدرك، في الوقت عينه، أن لا بديل عنه في هذه المرحلة، لحاجة حزب الله إلى حكومةٍ تغطّيه، ويتحصّن بها، بعد أن قرّر سعد الحريري وحليفاه سمير جعجع ووليد جنبلاط عدم العودة إلى الحكومة. وكانت المعادلة دخول دياب إلى السراي مقابل أن يؤلف "الثنائي الشيعي" الحكومة، إلى درجة أن أحد سليطي اللسان اختصر عملية التأليف، قائلا 
"إنهم كانوا يزوّدونه بالأسماء وهو يسقطها على الحقائب"! ثم تكرّ سبحة التصريحات الصادمة من الوزراء المبتدئين والخائفين من ردّة فعل الشارع، فهذا وزير المالية يسارع إلى إعلان أن الدولار لن يعود إلى سعره الأصلي (أي 1500 ليرة فيما هو اليوم نحو 2200 ليرة)، وأتبع تصريحه بآخر معلنا أن هناك حاجة ماسّة لاقتراض ما لا يقل عن خمسة مليارات دولار لتأمين حاجات أساسية وتغطيتها، مثل القمح والأدوية والطحين والمازوت. وكذلك فعل زميله وزير الطاقة الذي رفض الالتزام بموعدٍ محدّد لإعادة التغذية الكهربائية 24 ساعة، لا بل بشّرهم بساعات تقنين إضافية. كما أن اللافت أن الوزارات الرئيسية التي لها علاقة مباشرة بحياة الناس اليومية والمعروفة بأنها مغارات للهدر والصفقات والسمسرة ما زالت في أيدي القوى السياسية نفسها، أي التيار العوني (الطاقة والاقتصاد) وحركة أمل (المالية). وثالث ورابع أظهروا إرباكا شديدا. وفي المقابل، سارع عناصر من الحركة التي يرأسها رئيس مجلس النواب، نبيه بري، إلى إحراج وزيري الداخلية والعدل بالاعتداء بوحشية على متظاهرين سلميين أمام مجلس الجنوب، أحد صناديق الهدر والفساد بامتياز، وسقط منهم جرحى أدخلوا إلى المستشفيات. فكيف ستتمكن حكومةٌ كهذه من إقرار الإصلاحات الضرورية وإنجازها في أسرع وقت، لوقف التدهور الاقتصادي والنزف، من أجل استعادة التوازن النقدي والاستقرار المالي شرطا للاستقرار السياسي، وتنفيذ خطة إصلاح الكهرباء ووقف الهدر في هذا القطاع الحيوي الذي تشكّل مديونيته نصف الدين 
العام تقريبا (40 مليار دولار) ومكافحة التهرّب الضريبي وإقرار قانون مكافحة الفساد ودعم استقلالية القضاء.
وتحتاج هذه الإصلاحات إلى تمويل وقروض وهبات تشترطها الدول المانحة، لكي تقدم الدعم والتمويل اللازمين. وبخلاف ذلك، لن يحصل لبنان على أي دعم، لا من الدول الأوروبية، ولا حتى من الدول العربية الخليجية. غير أن تطبيق الإصلاحات الضرورية ليس الشرط الوحيد، فهناك شرط آخر سياسي، هو ابتعاد لبنان عن محور الممانعة، وعدم ارتهان مواقفه لسياسة حزب الله، المرتبطة بسياسة إيران في المنطقة، وأقله التزام سياسة النأي بالنفس. وقد بدا هذا واضحا في ما أعلنته وكرّرته الإدارة الأميركية على لسان وزير خارجيتها، مايك بومبيو، فورا بعد إعلان الحكومة الجديدة، أنها مستعدة لمساعدة لبنان بشرط أن "تقوم حكومة غير فاسدة تلتزم إجراء الإصلاحات الضرورية وتستجيب لمطالب الشعب" الذي رأى بومبيو أنه يتظاهر في لبنان والعراق ضد سياسة إيران وتدخّلها في شؤون الدولتين. كما حذّرت واشنطن الدول الأوروبية من تقديم أي دعم إذا لم تتحقق الإصلاحات الاقتصادية والبنيوية، ويبتعد لبنان عن المحور الإيراني. ويبدو أن الموقف الخليجي يتبنّى التوجه نفسه، إذ إن السعودية منسحبة من الساحة الداخلية منذ مدة، وغير مهتمة بما يجري، لا بل تؤكد أوساط صحفية خليجية مقرّبة أن الرياض لن تقدم أي دعم للسلطة الحالية في لبنان. وكذلك فرنسا التي تحرص على لبنان وتشمله باهتمام ورعاية خاصة، تتابع ما يجري عن قرب، وتضغط في الاتجاه نفسه.
هل ستكون حكومة حسّان دياب حكومة إدارة التفليسة؟ دفع هذا الاحتمال المخيف بعض القوى الحية، في الشارع وفي الوسط السياسي المعارض، الرافضة نهج تحالف ثلاثي السلطة (حسن نصرالله - نبيه برّي - جبران باسيل)، والتي تأخذ على القوى الأخرى (سعد الحريري - سمير جعجع - وليد جنبلاط) انكفاءها وتموضعها في غرفة الانتظار، إلى صبّ جهودها وحشد أوسع القوى باتجاه إطلاق معركة إسقاط رئيس الجمهورية ميشال عون الذي يشكل برأيها الحلقة الأهم التي يجب كسرها، لأنها ستشكل ضربة قاصمة لحزب الله، وتحرمه من أهم سند دستوري وسياسي وشعبي، من شأنه أن يؤدّي إلى تصفير السلطة وإعادة تركيبها.