استفتاء الدستور الروسي ينتهي اليوم: إعادة إنتاج النخبة البوتينية

موسكو
رامي القليوبي
01 يوليو 2020

يُختتم في عموم أنحاء روسيا، اليوم الأربعاء، التصويت على التعديلات الدستورية التي من شأنها "تصفير" عدد ولايات الرئيس فلاديمير بوتين، والسماح له بالترشح لولايتين إضافيتين، ما يعني إمكانية بقائه في الحكم حتى العام 2036، وسط تساؤلات حول تأثير تعديل الدستور على شكل النظام السياسي في البلاد، والعلاقة بين الكرملين ومجموعات النفوذ المحلية والمجتمع بأسره. وتضمّ التعديلات، بالإضافة إلى تصفير عدد ولايات الرئيس الحالي، مجموعة من التغييرات في نظام الحكم في البلاد في ما يتعلق بتوزيع الصلاحيات بين فروع السلطة. ويأمل الكرملين في أن تكون نسبة المشاركة في التصويت عاملاً مساعداً في لجم التحاليل السياسية والقراءات التي قد تمتد طويلاً لعملية التصويت. 
وعلى الرغم من أن الموعد الرسمي للاستفتاء على التعديلات الدستورية هو اليوم، أي في الأول من يوليو/تموز، إلا أنه تقرر بدء التصويت مبكراً لمنع تجمعات المصوتين بمراكز الاقتراع في ظروف استمرار جائحة كورونا، واقتراب إجمالي عدد الإصابات في البلاد من عتبة الـ650 ألفاً، وفق آخر الأرقام التي أوردها موقع "ستوب كورونا فيروس" الحكومي الروسي.   

يرغب الكرملين في تجاوز نسبة مشاركة الـ50 في المائة لإضفاء الشرعية على التعديلات

وفي الوقت الذي تسعى فيه السلطات الروسية لحشد أكبر عددٍ من المصوتين لرفع نسبة المشاركة، من أجل إضفاء الشرعية على الاستفتاء الذي استمر التصويت عليه أسبوعاً كاملاً (بعدما تأجل من 22 إبريل/نيسان الماضي بسبب ظروف الوباء)، أظهرت نتائج استطلاع رأي لدى الخروج من مراكز الاقتراع أجراه "مركز عموم روسيا لدراسة الرأي العام"، ونشرت أول من أمس الاثنين، أن 76 في المائة من المشاركين صوتوا لصالح التعديلات، مقابل معارضة 23.6 في المائة فقط خلال الأيام الأربعة الأولى من التصويت.

وفي ردّ فعلٍ من الكرملين على نشر نتائج الاستطلاع قبل انتهاء التصويت، لم يرَ المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديميتري بيسكوف في ذلك أي مخالفة، داعياً إلى الاسترشاد بموقف لجنة الانتخابات المركزية، التي أصدرت مجرد "توصيات" بعدم نشر النتائج أثناء عملية التصويت. وفي مطلع الأسبوع الحالي، أعلنت لجنة الانتخابات أن أكثر من 40 مليون مواطن أدلوا بأصواتهم بحلول الساعة الحادية عشرة بتوقيت موسكو من صباح أول من أمس، لتبلغ نسبة المشاركة 37.2 في المائة. 
وفي هذا الإطار، أشار عميد كلية علم الاجتماع والعلوم السياسية في الجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية، ألكسندر شاتيلوف، إلى أن الأرقام الحالية للتصويت بـ"نعم" تعكس الواقع في ظلّ انقسام المعارضة بين التصويت والاحتجاج والمقاطعة، ملخصاً المهمة الرئيسية للكرملين في تحقيق نسبة مشاركة لا تقل عن 50 في المائة لإضفاء الشرعية على التعديلات، ومتوقعاً أن يدوم الصراع على تفسير نتائج الاستفتاء طويلاً بصرف النظر عن نتائجه.
وقال شاتيلوف، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن اليوم (الأربعاء) قد يشهد ذروة المشاركة، نظراً لإعلان هذا اليوم عطلة رسمية، والترويج له كـ"استفتاء 1 يوليو". وعلى الرغم من أن السلطات "تطمح في أن تبلغ نسبة المشاركة نحو 65 في المائة"، إلا أنه أعرب عن اعتقاده أن هذه النسبة "ستكون بحوالي 55 في المائة، في حال استمر التصويت بالوتيرة الحالية ذاتها".
وحول النسبة المرتفعة للتصويت بـ"نعم"، والتي تفوق نتائج استطلاعات الرأي السابقة، اعتبر الباحث السياسي أن "هناك حالة من الانقسام في صفوف المعارضة بين التصويت بـ(لا) والمقاطعة، ما أدى إلى هيمنة النواة الصلبة من أنصار السلطة على نسبة المصوتين خلال الأيام الأولى من التصويت". لكنه أضاف أن "التحدي الرئيسي أمام الكرملين هو تجاوز نسبة المشاركة 50 في المائة، لعدم منح الخصوم الخارجيين والداخليين فرصة الطعن في شرعية التعديلات". وتحدث شاتيلوف عن وجود "مخاطر قادمة من داخل النخبة الروسية نفسها، والتي تضم عناصر من الطابور الخامس وأنصار العولمة الذين يعارضون بعض التعديلات الدستورية، مثل إعلاء القانون الروسي فوق قرارات المحاكم الدولية". وأكد أنه "حتى مع تخطي نسبة المشاركة 50 في المائة، إلا أن ذلك لن يمنع صراعاً طويلاً على تفسير نتائج الاستفتاء، التي سيقيّمها خصوم بوتين بشكل سلبي في جميع الأحوال".    

باتت النخب الحاكمة والمهيمنة هي مصدر القلق الأساسي لبوتين

من جهتها، اعتبرت الباحثة بمركز "كارنيغي" في موسكو، تاتيانا ستانوفايا، أن بحث بوتين عن تفويض جديد "يشكل تحدياً للمحيطين به، وانعدام إدراكه واعترافه بالواقع المتغير"، متوقعة ألا تعود العلاقة بين الكرملين والنخبة أبداً إلى ما كانت عليه قبل الاستفتاء. وفي مقال بعنوان "ترويض النخبة. لماذا يحتاج بوتين إلى الاستفتاء؟"، ونُشر في موقع المركز، لفتت ستانوفايا إلى أن التصويت على التعديلات يبدو لكثيرين "لحظة تحوّل" وخطوة تقوم بها روسيا نحو "واقع جديد"، واصفة الأجواء السائدة في البلاد، منذ الإعلان عن التعديلات في مارس/آذار الماضي، بأنها تشبه "عملية جراحية" لن تعود حياة المريض على أثرها أبداً إلى ما كانت عليه من قبل. 
ومع ذلك، رأت كاتبة المقال أن التحول الذي سيحدث في روسيا ما بعد 1 يوليو/تموز 2020 لا ينطبق بشكل أساسي على العلاقة بين السلطة والمجتمع، وإنما على علاقة بوتين بـ"الأوليغارشية البوتينية"، مشيرة إلى أن "الأغلبية البوتينية" لم تعد مجرد حليف أو سند له بقدر ما يستخدمها كنقطة قوة في الحوار مع المحيطين به. ووصفت الاستفتاء بأنه "محاولة الحصول على شهادة خطية للثقة الشعبية"، حتى يعلقها بوتين "أمام أنف النخب التي باتت هي المصدر الرئيسي لقلقه".
وضربت الخبيرة الروسية مجموعة من الأمثلة على "الفجوة بين أجندة الدولة والأوليغارشية البوتينية"، بما فيها إفشال رئيس أكبر شركة نفط روسية "روس نفط"، إيغور سيتشين، صفقة خفض إنتاج النفط "أوبك+" في مارس/آذار الماضي، وتصرف الأجهزة الأمنية من دون النظر إلى موقف الكرملين عن طريق إثارة عدد من القضايا تسببت في انقسامات داخل النخبة، مثل تلفيق تهمة "محاولة توزيع المخدرات" للصحافي الاستقصائي في موقع "ميدوزا" إيفان غولونوف، في منتصف العام الماضي. وخلصت ستانوفايا إلى أن "الأوليغارشية البوتينية أصبحت جزءاً قوياً وطموحاً ومهيمناً من الإستبلشمنت الروسي، فبات عليها حتمياً أن تدرس سيناريوهات تطور روسيا مع بوتين وبعده"، ما دفع الأخير إلى إجراء الاستفتاء "وتثبيت حقه في احتكار مناقشة قضية ترانزيت (انتقال) السلطة"، وفق اعتقاد الباحثة الروسية.

 

ذات صلة

الصورة

سياسة

شهد مجلس الأمن الدولي، أمس الخميس، نقاشاً طويلاً حول قضية المعارض الروسي أليكسي نافالني الذي يعالج في ألمانيا من تسميم مفترض، ما أدى إلى مواجهة بين برلين وموسكو خلال جلسة عبر الفيديو مخصصة أساساً للأسلحة الكيميائية في سورية.
الصورة
وزير الخارجية الهندي يتوقف بطهران (تويتر)

أخبار

وصل وزير الخارجية الهندي، سوبرامانيام جايشانكار، إلى طهران، اليوم الثلاثاء، ليمكث فيها عدة ساعات، قبل أن يتوجه إلى روسيا للمشاركة في مؤتمر وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة "شنغهاي".
الصورة

أخبار

أعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، اليوم الثلاثاء، عن استعداد روسيا للإسهام في تسيير حوار براغماتي بين قبرص وتركيا، معرباً عن قلقه من الوضع في شرق المتوسط.
الصورة

مجتمع

أعلنت وزارة الصحة الروسية عن بدء التداول العام لأول دفعة من لقاح "سبوتنيك في" المضاد لفيروس كورونا من إنتاج مركز "غاماليا"، وسط توقعات أن يتم تلقيح أغلب سكان روسيا خلال عام.