استعصاء الحكم في تونس

12 يونيو 2016
الصورة
+ الخط -
تجري في تونس حالياً مفاوضات علنية، وأخرى سرية، حول تغيير حكومي يشمل رئيس الحكومة وفريقه، ولن يستثني، في اعتقادنا، إلا القليل، وفق ما ستؤول إليه موازين القوى والتوافقات السياسية بين مختلف الفرقاء السياسيين والاجتماعيين، خصوصاً في ظل إصرار رئيس الجمهورية على إشراك القوتين الاجتماعيتين الكبريين، أي الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الأعراف للصناعة والتجارة، وبعض قوى المعارضة الأخرى التي لم تكن ممثلة في الائتلاف الحكومي الذي شكل حكومة الحبيب الصيد هذه. ولكن، بقطع النظر عن مسمياتها ومضامينها، حكومة إنقاد وطني أو حكومة وحدة وطنية أو غيرها، فإن الجدل الذي تصاعد، في الأيام القليلة الماضية، قد انصبَّ، وبدرجاتٍ متفاوتةٍ، حول أمرين مهمين، هما تركيبة الحكومة، وفق ما عرف لدى التونسيين بالمحاصصة الحزبية، أي أسهم الأحزاب فيها. الأمر الثاني يخص عناوينها الكبرى، ضمن ما سيحدّد لها من أولوياتٍ، تتوزع على الملفات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية خصوصاً، غير أن الأهم، في اعتقادي، والذي لم تتطرّق إليه النخب السياسية، إلا بشكلٍ عابر، هو الثقافة السياسية، سواء لدى النخب أو الشارع العريض من المواطنين التي بدأت تتشكل ملامحها منذ الثورة، من دون أن يعني ذلك أنه تم القطع مع ما سبقها، وهي التي تعد حجر الزاوية في ما سيؤول إليه أمر الانتقال الديمقراطي برمته.
نحن على أبواب الحكومة السابعة التي تتعاقب بعد الثورة، أي بمعدل حكومة كل تسعة أشهر تقريباً، ما يعكس عدم استقرار سياسي، قد يتحول إلى داءٍ عضال، قد يعصف بما عد استثناءً تونسياً، ويختلف المتابعون للشأن التونسي في تفسير ذلك، على الرغم من أنه من طبيعة الاوضاع الانتقالية، خصوصا في ظل ثقافية سياسية، لم تترسّخ بعد في قيم الديموقراطية والمواطنة، ولم تتخلص أيضاً من إرث الاستبداد، خصوصا وأن هناك أكثر من مؤشر على الحنين إلى الاستبداد، واستلطاف الخنوع لدى شرائح مهمة. ولعل ما كشفت عنه وسائل الإعلام خلال شهر رمضان الحالي، وعبر برامج اجتماعية عديدة، بعضها عدّ لهذا الغرض بالذات من عودة تلك الثقافة، بأشكالها كافة، إلا دليلاً على أن البلاد تنجز تحولاً ديموقراطياً مشوهاً ويضاعف غياب الثقافة الديموقراطية هذا التعثر، ويزيد إخفاقنا استفحالاً.

يعود، في اعتقادنا، هذا الاستهلاك المتعاظم للحكومات في تونس إلى جملةٍ من العناصر التي لا صلة لها مباشرة بالأداء الحكومي، أو طبيعة شخص رئيس الحكومة بشكل خاص تحديداً، فالأمر بنيوي بالأساس، غير أن اللافت للنظر أن شبكة التقييم الحالي المعتمدة في حالة الحكومة الحالية غابت عنها مفردات الكفاءة والقدرة، وذلك على خلاف تقييمات حكومتي الترويكا السابقتين. كانت النخب السياسية والإعلامية، وحتى الأكاديمية، وهي تتشفى من عثرات الترويكا إبّان حكمها، تعيّر أعضاء الحكومة، على أساس أنهم غير أكفاء، بل ذهب أحد الجامعيين، ممن خفّ قلمه، إلى حد نعتهم بالهواة. حالياً، لا أحد، وهو يقرّ بفشل الحكومة الحالية، حكومة الحبيب الصيد التي أخفقت في انتشال البلاد من أزمتها، يستعمل ذلك المعجم، فكل المؤشرات تبرهن على أنها تتردّى في هوةٍ سحيقةٍ، وهي على حافة الانهيار الحقيقي. ويبدو أن تصريحات محافظ البنك المركزي الذي يصفه عديدون بالرجل الوردي، لفرط تفاؤله حتى في أحلك الفترات، قد بدأ يخرج عن رؤيته الوردية، وأصبح لا يتوانى عن التحذير من الانهيار الوشيك، في ظل السقوط الحر للدينار التونسي في مقابل العملات الأجنبية بشكل قياسي، لم يبلغه من قبل.
تعود أزمة تونس، في شقيها، الاقتصادي والسياسي، إلى الشلل الاقتصادي الذي جمّد الإنتاج. وأساساً ذلك الذي ضرب الصناعات المنجمية والسياحة وتحويلات التونسيين المقيمين في الخارج، وهي المصادر الثلاث الأهم للتصدير والعملة الصعبة في مقابل انكماش الاستثمار، الداخلي والخارجي، الناجم عن تصاعد المخاوف الأمنية. دفع ذلك كله البلاد إلى الغرق في المديونية، والغريب أن جزءاً كبيراً من هذه الديون الكريهة يذهب إلى صرف الأجور التي ارتفعت تحت ضغط مطلبية مجحفة، لا تتوانى عن شل البلاد اقتصادياً. الحصاد المرّ هو مزيد من رهن البلاد وتفاقم البطالة وتراجع نسب النمو. تتالت الحكومات، سواء كانت الناجمة عن انتخابات أو عن توافقات. ولكن، ظلت الأزمة تتفاقم، فهل يعود ذلك إلى عدم كفاءة كل هذه الحكومات المتعاقبة، أم إلى عوامل أخرى؟ تصرّ المعارضة التي تراجع دورها، لتظل أقرب إلى ظاهرة صوتية، على أن الأمور تعود إلى عدم الكفاءة، كما أشرنا سابقاً. ولكن، في اعتقادي، تمر البلاد بصعوبات هيكلية، لن تخرج منها إلا على المدى المتوسط، وذلك مرتهن، بقطع النظر عن طبيعة الأداء وعن درجة الكفاءة، إلى حسم المسائل التالية:
أولاً، رجوع المجتمع المدني إلى حجمه الطبيعي، والنأي بنفسه عن حكم البلاد بـ "أشكال أخرى"، ذلك أن بعض الأطراف الاجتماعية تحكم من دون أن تسند إليها حقائب وزارية، بل إنها قد كبلت عدة إصلاحات ضرورية، من خلال فرضها رؤاها، وهي تشترط حالياً خروج بعض الوزراء ممن تشبثوا بما يرونه من صلاحياتهم، وكافحوا، قدر الإمكان، هيمنة النقابات التي أرادت أن تحكم أو تقاسم الوزراء مهامهم ومشمولاتهم.
ثانياً، التوافق على الخطوط العريضة، وإدراج ما يعدّه بعضهم محرماتٍ، أو خطوطاً حمراء، ضمن تلك التوافقات بالذات، لتنضوي تحت ما يجب إصلاحه على غرار: خصخصة الشركات العمومية المفلسة، وتفكيك تدريجي لصندوق التعويض إلخ، وهي التي أرهقت الدولة، والغريب أن بعضهم يعد تلك الشركات مفخرة البلاد، وعنوان سيادتها.
ثالثاً، استرجاع هيبة الدولة وتطبيق القانون، بقطع النظر عن الجهة التي تقف وراءها، ذلك أن بعضهم يعمد إلى إذلال الدولة، والتبجح بذلك، تحت إسناد بعض مكونات المجتمع المدني. رابعاً، تعبئة الناس من أجل أهداف وطنية، بعيداً عن اللوبيات والمصالح الفئوية، من خلال استنهاض الهمم وشحذ الأنفس على قيم العمل، إذ لا يخفى أن خيبات الثورة قد ولّدت تحلّلاً أو فتوراً، بل تشفياً، ولا مبالاةً، في ظل تعميم متعمد للفاسد.
من دون هذا الحد الأدنى، لن تستطيع الحكومات المقبلة، أياً كان رئيسها، ومهما كان لون فريقها، أن تخرج تونس من عنق زجاج خانق، نخشى أن يكتم أنفاسها لا قدّر الله.