استسلام مصري لإملاءات صندوق النقد.. وتحوط تونسي

04 مارس 2017
الصورة
برامج صندوق النقد تزيد معاناة الفقراء (أحمد زكريا/الأناضول)
+ الخط -
أيام قليلة وتبدأ بعثات صندوق النقد الدولي بالزحف على العديد من العواصم العربية، لمراقبة ما نفذته من المطالب التي نصت عليها الاتفاقات المبرمة مع الصندوق، مقابل منحها قروضاً يفترض أن تنتشلها من عثرتها.
غير أن هذه الزيارات باتت تثير قلق شعوب هذه الدول، ولا سيما أن الإجراءات المتخذة حتى الآن باتت باهظة الثمن وجرفت الكثيرين إلى هوة الفقر، بعد خفض الحكومات الدعم وفرض المزيد من الضرائب استجابة للصندوق، ما أدى إلى موجة غلاء غير مسبوقة.

ويشير المشهد إلى استسلام القاهرة لإملاءات الصندوق، التي وصفها خبراء اقتصاد بالمؤلمة، مقابل الإفراج عن شرائح مقررة من قرض يبلغ 12 مليار دولار، جرى الاتفاق عليه في الأشهر الأخيرة من العام الماضي 2016، ليتم صرف الشريحة تلو الأخرى بعد مراجعات مدققة لما تم الاتفاق عليه. وما تزال تونس التي فتحت الباب أيضا لإرساليات الصندوق، تتعامل بتحوط، رغم أن خطواتها تشير أيضاً إلى اعتزامها تنفيذ إجرءات ولكن أقل إيلاماً من مصر.
وتنتظر مصر بعثة صندوق النقد لتحديد مصير الشريحة الثانية من القرض البالغة قيمتها 1.25 مليار دولار والمحدد صرفها في أبريل/نيسان المقبل.
لكن القلق ما يزال محتدماً داخل مصر من أن يرافق زيارة البعثة إجراءات أخرى تزيد العبء على المصريين من ذوي المداخيل المتوسطة والفقراء، والذين كانوا ضحية الإجرءات السابقة من رفع الأسعار بعد خفض الدعم وفرض ضريبة القيمة المضافة ورفع أسعار الوقود والكهرباء والغاز.

وكان صندوق النقد قد أحرج الحكومة المصرية، إذ كشف وثائق الاتفاق، الذي يتضمن برنامجا تقشفيا لن يسدده سوى الفقراء، مقابل تمرير القرض الذي يصرف على مدار 3 سنوات، وحصلت القاهرة على الشريحة الأولى منه في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بقيمة 2.75 مليار دولار.
وجاء صرف الشريحة الأولى من القرض إثر تطبيق الحكومة المصرية إجراءات مؤلمة، منها إقرار ضريبة القيمة المضافة بنسبة 13%، وتعويم العملة المحلية (تحرير سعر الصرف)، ما تسبب في قفزات غير مسبوقة للدولار الأميركي أمام الجنيه المصري الضعيف بنسبة وصلت إلى 125% في غضون أيام، وزيادة أسعار البنزين والتوسع في التحصيل الضريبي.

كما تلتزم الحكومة بإلغاء دعم البنزين ووقود الديزل في العام المالي 2018/2019، بينما خفضت بالفعل دعم الطاقة في الموازنة الحالية 2016/2017 التي تنقضي بنهاية يونيو/حزيران المقبل بنسبة 43%، ليصل إلى 35 مليار جنيه، مقارنة بنحو 61.7 مليار جنيه خلال العام المالي الماضي، كما ينخفض بنسبة 72% عن العام المالي 2013/2014، الذي بلغ خلاله 126 مليار جنيه، وفقاً لبيانات وزارة المالية.
وأعلنت الحكومة أخيراً رفع أسعار الكهرباء والمياه وباقي المشتقات البترولية.
وارتفع التضخم في مصر لمستوى غير مسبوق ليصل إلى 30.86% على أساس سنوي في يناير/كانون الثاني الماضي وفق بيانات البنك المركزي وهي أعلى نسبة في أكثر من 10 سنوات، مع توقعات لمزيد من الارتفاع خلال العام الجاري.

وقال صلاح هاشم، أستاذ التنمية والتخطيط جامعة الفيوم (جنوب القاهرة)، إن "الفقراء سيزدادون فقراً مع استمرار تطبيق روشتة صندوق النقد الدولي". وأضاف، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "قرار الحكومة الحصول على قرض من صندوق النقد يعد بداية القضاء على طبقات اجتماعية ستزداد أوضاعها المالية سوءاً في ظل تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار، فضلا عن ارتفاع معدلات البطالة".
وبحسابات الصندوق، فإن الإصلاحات الحكومية ستوفر إيرادات بنسبة 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية العام المالي الجاري، منها 1% سيكون مصدره ضريبة القيمة المضافة. كما سيخفض تقليص دعم الكهرباء والوقود من نفقات الحكومة بما يعادل 1.2% من الناتج الإجمالي.

لكن في مقابل ما يتحدث عنه صندوق النقد من توفير في الإيرادات، فإن وثائق الصندوق نفسه تتوقع أن ترتفع ديون مصر الخارجية إلى 102.4 مليار دولار بعد الانتهاء من برنامج "الإصلاح الاقتصادي"، الذي تعهدت مصر بتطبيقه في إطار اتفاقها مع الصندوق ومانحين دوليين آخرين للحصول على عدد من القروض، لتصل تلك الديون إلى أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي المصري في العام المالي 2020/2021.
ووصف أحمد إبراهيم، الخبير المالي، شروط الصندوق بأنها أشبه بالوصاية ووضع مصر "تحت الانتداب المالي".
لكن فخري الفقي، الخبير الاقتصادي، والمستشار السابق لدى صندوق النقد، قال إن "الصندوق يعي جيدا من خلال تجاربه السابقة أهمية البرامج الاجتماعية التي تصحب الإصلاح الاقتصادي، وهو ما دعاه إلى مطالبة الحكومة بمواصلة دعم الفقراء من خلال برامج اجتماعية".

تونس تتريث

وفي تونس، تنتظر الحكومة زيارة وفد خبراء من صندوق النقد خلال مارس/آذار الجاري من أجل التفاوض حول الإصلاحات الجديدة، التي يراها الصندوق ضرورية قبل الإفراج عن البرنامج الائتماني الجديد.
وكانت الحكومة التونسية نجحت في اجتياز شروط الصندوق وبنود اتفاق البرنامج الأول في 2013، مقابل إتاحة قرض بقيمة 1.7 مليار دولار على مدى سنتين، لكن يبدو أن فاتورة البرنامج الثاني المبرم في مايو/أيار 2016 مقابل 2.8 مليار دولار لن تكون بالسهلة، إذ يشترط الصندوق إجراءات قد تتسبب في اضطرابات اجتماعية، الأمر الذي يدعو تونس للتحوط.

وقال عز الدين سعيدان، الخبير المالي التونسي، إن تعطل إفراج الصندوق عن الشريحة الثانية من القرض الذي كان مقرراً صرفه في يناير/كانون الثاني 2017، دليل أن الحكومة ما تزال تمسك بزمام الأمور في ما يخص المفاوضات مع الصندوق.
وأضاف سعيدان لـ"العربي الجديد" "هناك تحوط تونسي، ورغبة في حماية الطبقات الضعيفة، ويمكن للبلاد تدارك التداعيات التي قد تخلفها الإصلاحات الموجعة إذا ما تمكنت من تحسين النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل".


المساهمون